Skip to main content
مضيق الشيطان بالبصرة.. تحذر منه الاستخبارات الأميركية وظواهره تزداد غموضا Facebook Twitter YouTube Telegram

مضيق الشيطان بالبصرة.. تحذر منه الاستخبارات الأميركية وظواهره تزداد غموضا

24/07/2010

شبكة أخبار نركال/NNN/السومرية نيوز/ البصرة /
مضيق لا يتجاوز عرضه الـ150 مترا فقط، لكن مياهه تلفها الأسرار التي تمتد إلى سائر المنطقة المحيطة به، ولا يخلو دليل ملاحي من تحذير لربابنة السفن حين تبلغه، ويروى أن المضيق هو أول مهبط للشيطان على الأرض وكانت تحرسه أفعى كبيرة،كما قيل إن سكان المنطقة المحيطة به كانوا حول العين.

وتخلو النشرات والمراجع الملاحية العربية والعراقية تسمية موحدة للمضيق الذي يقع بين جزيرتي الشمشومية وأم الرصاص في شط العرب، إلا أن خرائط ونشرات ملاحية أجنبية تدعو ربابنة السفن إلى توخي الحذر وعدم الاتكال على البوصلات المغناطيسية لان مؤشراتها تنحرف أحياناً بشكل مفاجئ لدى اقتراب السفن من المضيق الذي يعد شاهداً تاريخياً على الغزوات والحروب التي شهدها العراق.

برمودا البصرة..ظاهرة غريبة وتحذيرات بلا تفسير
ويقول احد أبناء المنطقة ويدعى رحيم شناوة (57 سنة) وهو يشير إلى جزيرة البليانية في شط العرب والتي يقع مضيق الشيطان بالقرب منها "هناك هبط الشيطان لأول مرة على الأرض وعلى هذا الأساس جرت تسمية المضيق من قبل الإنكليز" في إشارة منه إلى القوات البريطانية.

ويضيف شناوة الذي يسكن في قرية صغيرة قريبة من الجزيرة وهو يستعيذ بالله من ذكر الشيطان أن "حكاية هبوط الشيطان توارثتها أجيال لكن تداولها انحسر في السنوات الأخيرة".

ويلفت إلى إن السكان الأوائل للمناطق القريبة من الجزيرة التي تتميز بصغر مساحتها كانوا يعتقدون أن تسمية المضيق بهذا الاسم هي مؤامرة بريطانية الهدف منها تخويفهم وبالتالي إبعادهم عن مناطقهم" ويتابع بالقول "لكن الحكاية سهل تصديقها لاحقاً عندما تفرعت منها حكايات أخرى منها ما يفيد بان المضيق كانت تحرس ضفته الغربية أفعى كبيرة".

ويزداد غموض الظاهرة المضيق بتأكيد خبير الملاحة البحرية في الخليج العربي الكابتن كاظم فنجان، الذي يقول إن "مضيق الشيطان ينطوي على لغز كبير، لكنه بخلاف مثلث برمودا في المحيط الأطلسي لم يجذب انتباه الباحثين".

ويضيف فنجان في حديث لـ" السومرية نيوز" أن "العديد من المراجع البحرية العالمية تتضمن تحذيرات ملاحية مفادها أن على السفن المبحرة في شط العرب توخي الحذر الشديد لدى اجتياز المضيق وعدم الاعتماد على قراءات بوصلاتها المغناطيسية لأنها عرضة للاختلال وبالنتيجة قد تجنح السفن نحو اليابسة".

ويوضح فنجان الذي يعمل مرشداً بحرياً في الشركة العامة لموانئ العراق بعد أن كان معاوناً لمديرها العام لعدة سنوات أن "المضيق يؤثر بصورة غامضة على البوصلات المغناطيسية للسفن والتي تنحرف أحياناً مؤشراتها بشكل مفاجئ باتجاه الشرق بزاوية تصل إلى 45 درجة، لكن المضيق لا يؤثر على البوصلات الجيروسكوبية".

ويروي فنجان أن "تأثير المضيق لا يقتصر فقط على البوصلات البدائية" وقال إن "الانحراف البوصلي في المياه يقابله انحراف في عيون الناس على اليابسة"، ويبين أن "سكان جزيرة البليانية القريبة من المضيق كانوا يعانون من انحراف قرنية العين إذ بلغت نسبة (الحول) لديهم أكثر من 60%".

إلا أن الخبير البحري يلفت إلى أن "ظاهرة (الحول) تلاشت بعد أن هاجر السكان الأصليون للمناطق القريبة من المضيق على اثر نشوب الحرب العراقية الإيرانية"، ويوضح أن "معظم السكان لم يعودوا إلى مناطقهم بعد انتهاء الحرب بسبب الدمار والألغام التي خلفتها، وحل مكانهم أسر تنحدر من مناطق شمال البصرة وجنوب العمارة الذين باتوا يشكلون حاليا نسبة كبيرة من سكان المناطق القريبة من المضيق".

ويتضمن دليل "اتجاهات الإبحار في البحر الأحمر والخليج الفارسي" الذي أعدته وكالة الاستخبارات المكانية الأمريكية (NGA) تحذيرات ملاحية لربابنة السفن التي تمر بمضيق الشيطان، إذ يشير الدليل بطبعته الحادية عشرة الصادرة باللغة الانكليزية في العام 2006 إلى أن "مضيق الشيطان هو ممر ضيق توجد في الجانب الشمالي منه عوامة ضوئية وفي الجانب الجنوبي وضعت عوامة إنقاذ، وعلى السفن المصرح لها بالمرور عبر المضيق الحذر من الجنوح نحو اليابسة على اثر انحراف مؤشر البوصلة الرئيسية في هذه المنطقة". وكما هو الحال بالنسبة لأدلة الإبحار ونشرات الإرشاد البحري الأخرى فإن الدليل لم يتضمن تفسيراً للظاهرة المذكورة.
أما موسوعة ويبيكيديا فإنها تفردت بنشر معلومات باللغة العربية عن مضيق الشيطان حيث ذكرت أن "السفن التجارية الكبيرة تتعرض لدى عبورها المضيق لقوة خفية تؤثر على بوصلتها المغناطيسية فتضطرب وتتحرك بشكل عشوائي ما يدل على وجود قوة جذب شديدة وغريبة"، وتضيف الموسوعة التي يخضع محتواها باستمرار إلى المراجعة والتعديل "لما كانت السفن الكبيرة تعتمد فيما مضى على البوصلات المغناطيسية فإن هذا الانحراف الفجائي في هذه المنطقة الضيقة يؤدي إلى جنوحها عن خط سيرها وارتطامها بالشاطئ وبخاصة إثناء الملاحة الليلية".

الأقمار الصناعية تنقذ السفن من الشيطان
ويروي الخبير الملاحي فنجان إنه على الرغم من الظواهر التي يشهدها مضيق الشيطان الذي يقع طرفه الشمالي على بعد بضعة أميال بحرية إلى الجنوب من ميناء أبو فلوس إلا انه لم يشهد منذ سنوات طويلة وقوع حوادث ملاحية.

ويبين أن "ذلك يعود إلى اعتماد السفن في تحديد مساراتها على البوصلات الجيروسكوبية الكهربائية وأنظمة التوجيه الملاحي بالأقمار الصناعية" مستدركا بالقول إن "جميع السفن تحتوي على بوصلات مغناطيسية لكن وجودها يعد كمالياً في ظل تطور تكنولوجيا الملاحة البحرية".

ويعتبر مضيق الشيطان أصغر مضيق بحري في العالم إذ يبلغ عرضه نحو 150 متراً، وتفرض الشركة العامة للموانئ العراقية على السفن التجارية المارة به ضوابط ملاحية لضمان سلامتها من الحوادث تتضمن منع تلاقي السفن وتسابقها بين ضفتي المضيق ومنح الأولوية في الاجتياز للسفينة المتحركة مع التيار.

الغوارق الحديدية وراء الظاهرة
ويرى رئيس قسم الجيولوجيا البحرية في مركز أبحاث علوم البحار في جامعة البصرة الدكتور عبد الجبار جلوب حسن أن "ظاهرة اضطراب بوصلات السفن التي تسلك المضيق، إن وجدت، فإنها على الأرجح ناجمة عن وجود مخلفات مغناطيسية أو قطع بحرية غارقة في المنطقة خاصة وان الحرب العراقية الإيرانية خلفت فيها غوارق كثيرة".

ويضيف في حديث لـ"السومرية نيوز" أن "السفن الكبيرة تقوم لدى مرورها بالمضيق بإبطاء سرعتها ثم تنعطف بشكل حاد مما قد يؤثر أيضاً على بوصلاتها المغناطيسية".

أما رئيس قسم الفقاريات البحرية في المركز الدكتور عبد الكريم طاهر فيعزو الظاهرة "إن كانت واقعية"، كما يقول، إلى "وجود خامات معدن الحديد في المنطقة حيث أنها تؤثر إن توفرت على البوصلات المغناطيسية".

وشهدت المناطق الحدودية الواقعة على جانبي المضيق معارك طاحنة خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) التي كان خلالها المضيق يقع على خط النار وتمكنت القوات الإيرانية أكثر من مرة احتلال جزر شط العرب ومنها الشمشومية وأم الرصاص اللتان يقع بينهما المضيق وفي كل مرة تسارع القوات العراقية الى استعادتها بعد حرقها بالقذائف والصواريخ حتى تحولت تلك الجزر مع انتهاء الحرب إلى أراض متخمة بالألغام والشظايا والمقذوفات غير المنفلقة وعند حواف شواطئها تنتشر أطواق الأسلاك الشائكة وأجزاء الزوارق العسكرية الغارقة من جراء قصفها ومازالت الخنادق والسواتر الترابية التي خلفتها الحرب باقية على حالها.

لا علاقة للحديد والظاهرة تعود إلى الثلاثينات
لكن المرشد الملاحي في الشركة العامة للموانئ الكابتن البحري حسن زهراوي يستبعد نظرية تأثر بوصلات السفن لدى مرورها بالمضيق بالقطع البحرية والمعادن الغارقة ويشدد على أن "الغوارق ليست لها علاقة باختلال البوصلات المغناطيسية للسفن الكبيرة التي تسلك المضيق".

ويقول زهراوي في حديث لـ"السومرية نيوز" إن "الظاهرة تم تشخيصها ملاحياً لأول مرة في ثلاثينيات القرن الماضي أي قبل نشوب الحرب بأكثر من 50 سنة وكان شط العرب آنذاك خالياً من القطع البحرية الغارقة".

ويعزز زهراوي من نظرية الظواهر الغريبة في مضيق الشيطان، إذ يلفت إلى إن "المضيق الذي يمتد طولاً لميلين بحريين لا يتسبب بانحراف مؤشر البوصلة المغناطيسية فحسب وإنما باهتزاز بها بشكل غريب".

ويعرب المرشد الملاحي العراقي عن اعتقاده بأن "المضيق سمي بهذا الاسم على الأرجح بسبب هذه الظاواهر الغريبة التي مازالت تثير دهشة ربابنة السفن الأجنبية التي تسلك قناة شط العرب".

مضيق الشيطان معبر لجيوش الغزاة
تؤكد مصادر تاريخية مختلفة أن المضيق كان منفذاً لمرور جيوش القوى الاستعمارية التي غزت العراق في مراحل سابقة وتفيد الروايات بان ولاية البصرة عندما كانت تخضع لسيطرة الإمبراطورية العثمانية قامت عام 1914 بإغراق سفينة قديمة في مضيق الشيطان في محاولة منها لشل حركة السفن الحربية البريطانية.

لكن الكابتن كاظم فنجان يؤكد أن "الفرقاطات والسفن الحربية البريطانية ألقت بمراسيها لدى بلوغها المضيق وقامت بانتشال السفينة الغارقة ثم واصلت تقدمها باتجاه مدينة البصرة حتى بلغت ميناء المعقل القريب من مركز المدينة" ولفت إلى أن "القوات البحرية الأمريكية والبريطانية أيضاً تسللت زوارقها القتالية عبر المضيق لدى اجتياحها البلد في العام 2003".

من جهته، يقول أستاذ التاريخ في كلية التربية بجامعة البصرة الدكتور جعفر منصور إن ناحية السيبة القريبة من المضيق "شهدت الكثير من الأحداث التاريخية خلال العصر الإسلامي والعصر الحديث باعتبار أن المنطقة كانت آهلة بالسكان".
ويضيف في حديث لـ"السومرية نيوز" أن "المنطقة كانت مخصصة للحجر الصحي خلال فترة الحكم العثماني للعراق، كما أن القوات البريطانية مرت فيها لدى تقدمها نحو مدينة البصرة أثناء نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 حيث شهدت الناحية آنذاك وقوع معركة السيبة الشهيرة بين القوات العثمانية والمتطوعين من سكان البصرة والقوات البريطانية".

الشيطان لا يخيف المهربين
ويذكر مصدر في قوة خفر السواحل العراقية أن المناطق القريبة من مضيق الشيطان والتي تعتبر مناطق حدودية كانت ولا تزال تشهد عمليات تهريب وتسل، ويقول ممازحا "يبدو أن الشيطان لا يخيف المهربين".

ويوضح المصدر في حديث لـ"السومرية نيوز" أن "قرب المضيق من الأراضي الإيرانية جعل منه ممراً مثالياً لتهريب المخدرات من إيران إلى العراق"، ويضيف أن "القوات العراقية كثفت بعد منتصف عام 2008 من تواجدها في المناطق المجاورة للمضيق وتمكنت من اعتقال عدد من المهربين العراقيين".

ويبين المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه وهو ضابط برتبة ملازم أول أن "قوات الجيش أدركت متأخرة أهمية المضيق على المستوى الأمني وأخذت تنصب بين حين وآخر كمائن بالقرب منه لإحباط محاولات التهريب".

وتشير الوقائع إلى أن المضيق من خلاله تمر جميع السفن التجارية التي تقصد مينائي المعقل وأبو فلوس وعادة ما يسلكه المهربون القادمون من إيران إلى العراق وأواخر العام الماضي ألقت قوات الشرطة في منطقة كوت الزين القريبة من موقع المضيق القبض على مهرب يحمل الجنسية العراقية وضبطت بحوزته 57 كغم من المخدرات المهربة والمعبأة في أكياس صغيرة ولم تكن هذه الحادثة الأولى التي تشهدها المنطقة التي يدعو الكابتن كاظم فنجان إلى إنشاء محطة للأرصاد فيها "بهدف كشف أسرارها وتفسير الظواهر الغريبة التي تشهدها".
wide-adv1