Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

اتساع الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء في العالم الرأسمالي: ألمانيا نموذجاً

تشير المعلومات التي تحت تصرفنا إلى أن العالم الرأسمالي الذي نعيش فيه, منذ انتهاء المنافسة الاجتماعية بينه وبين الدول الاشتراكية التي غابت نظمها السياسية من الخارطة العالمية ابتداءً من أوائل العقد الأخير من القرن العشرين, يشهد مجموعة من الظواهر السلبية المتفاقمة التي تعتبر من حيث المبدأ جزءاً من طبيعة النظام الرأسمالي العالمي, فنحن اليوم إزاء:

تنامي سريع في عدد أصحاب المليارات والملايين في العالم في مقابل,
تنامي أسرع في عدد الفقراء والمعوزين في العالم, خاصة أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر وفق معايير الاتحاد الأوروبي بالنسبة لأوروبا (من هو دخله أقل من 60 % من متوسط دخل الدولة التي يعيش فيها), وكذلك في الدول النامية التي لا يتجاوز دخل الفرد اليومي عن دولار أو دولارين في اليوم. فوفق الأرقام المتوفرة عن العام 2010 فأن نسبة المهددين بالفقر في الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مجتمعة بلغت 17% أو ما يعادل 80 مليون إنسان. وهي متباينة من بلد إلى آخر تتراوح بين 28% في ليتوانيا وبين بحدود 10% في الجيك.
تفاقم فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء, وكذلك بين أصحاب المليارات والملايين ورواتب مدراء ومسؤولي المؤسسات والبنوك وشركات التأمين وغيرها من جهة, وبين ذوي الدخل المحدود والمتوسط. بحيث أصبح أضعافاً مضاعفة وأكثر بكثير من فترة العقد التاسع والعقد الأخير من القرن العشرين لصالح المجموعة الأولى.
تزايد عدد العاطلين عن العمل على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية.
تفاقم درجة وشدة الاستغلال التي يتعرض لها المنتجون, الطبقة العاملة والفلاحون والكادحون وجمهرة كبيرة من المثقفين,
زيادة مستمرة في الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات في مقابل تقليص مستمر للضرائب المباشرة على الدخل والأرباح السنوية المحددة للشركات الرأسمالية الإنتاجية والرأسمال المضارب وكبار الرأسماليين في الدول المختلفة.
إعلان المزيد من حالات الإفلاس يومياً في الصحف المحلية والدولية لذوي المشاريع الصغيرة والمتوسطة أو ابتلاع منشآت من قبل منشآت أخرى أقوى منها.
رمي ثقل أعباء الأزمة المالية والاقتصادية الدولية على عاتق الفئات الكادحة وذات الدخل المحدود والمتوسط من دافعي الضرائب, في مقابل الحصول على أرباح متعاظمة لتلك القوى الرأسمالية المضاربة. ويمكن أن نلاحظ عواقب الأزمة الأخيرة على سكان شعوب الدول النامية وكذلك على الفئات الاجتماعية المنتجة في الدول الرأسمالية المتقدمة, حيث منحت البنوك أموالاً طائلة لمعالجة المشكلات التي خلقتها هي ونظامها المالي والنقدي وأساليب عملها واقتطعت من دافعي الضرائب.
استمرار الهجوم على المكاسب التي تحققت للعمال والمستخدمين وذوي الدخل المحدود في العقود المنصرمة مثل الرعاية الصحية والتعليم والثقافة والخدمات الأخرى وتقليص الأجور والمساعدات الاجتماعية بذريعة البطالة والرغبة في إعادة الاستثمار ...الخ.
إن هذه الظواهر السلبية الصارخة تؤكد واقعاً جديداً هو تفاقم غياب العدالة الاجتماعية التي يجري الحديث عنها في الدول الرأسمالية واشتداد البرودة في العلاقة بين الطبقات والفئات الاجتماعية وتنامي التناقض الاجتماعي والصراع الطبقي على الصعيدين المحلي والدولي لما كان عليه قبل عشر سنوات مثلاً. وهذه الصراعات لا تزال تتجلى في النشاط النقابي والإضرابات العمالية النقابية, والتي لم تتخذ حتى الآن مسارات حادة ,ولكن لا يمكن إنكار احتمال نشوئها كما هو الحال في اليونان حالياً, وما يمكن أن يحصل في كل من إسبانيا والبرتغال وأيرلندا لاحقاً أو حتى إيطاليا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي دعْ عنك الدول النامية الفقيرة والأكثر فقراً.

فلائحة أصحاب المليارات في العالم تشير بالنسبة لعام 2010 إلى وجود 1011 مليونير ينتمون إلى 55 بلداً في حين كان العدد 793 ملياردير في العام 2009. وقد بلغت ثروتهم في 3/آذار 2010 (3600) مليار دولار أمريكي. 403 منهم من الولايات المتحدة ويمتلكون ثروة قدرها 1300 مليار دولار أمريكي, ثم في أوروبا حيث يوجد 248 ملياردير ويمتلكون 1000 مليار دولار أمريكي, 52 منهم في ألمانيا يملكون حوالي 200 مليار دولار أمريكي. أما في روسيا فيوجد اليوم 62 ملياردير تبلغ ثرواتهم مجتمعة 297 مليار دولار أمريكي. ويوجد في الدول العربية 50 ملياردير تبلغ ثرواتهم 207 مليار دولار أمريكي. ورغم الأزمة فكما نلاحظ فقد ازداد عدد أصحاب المليارات وازداد حجم ثرواتهم, وهي كلها على حساب شعوب البلدان النامية وكادحي الدول الصناعية المتقدمة والتي كانت على حافة التحول صوب الرأسمالية, وهي الدول الاشتراكية السابقة وبعض الدول النامية.

ومع حلول الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي لم تصل إلى عمقها النهائي حتى الآن, يزداد الأمر سوءاً بالنسبة لفئات اجتماعية بعينها بسبب تفاقم البطالة والطرد من العمل وإعلان الإفلاس لعدد متزايد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة أو ابتلاع بعضها من منشآت أخرى, إضافة إلى الهجوم الشرس على الخدمات الاجتماعية التي كانت تقدمها الدولة للمنتجين وذوي الدخل المحدود والفقراء.

ومن يتابع اتجاه تطور الاقتصاد الألماني سيجد أمامه الظاهرتين الأساسيتين الناجمتين عن طبيعة النظام وعن السياسات التي تمارسها الحكومات المتعاقبة وخاصة اليمينية منها, أي في تنامي عدد وحجم ثروات الأغنياء من جهة, وتزايد عدد الفقراء وحجم الفقر من جهة ثانية. فوفق المعلومات المتوفرة لعام 2008 يلاحظ المتتبع ما يلي, علماً بأن السنوات 2009 و2010 كانت هذه الظواهر أكثر تفاقماً:

ازدياد عدد الفقراء والمهددين بالفقر في ألمانيا إلى 11,5 مليون إنسان من مجموع 82 مليون نسمة يشكلون سكان ألمانيا, أو ما يعادل 14% من السكان وهي قابلة للزيادة.
2,5 مليون طفل مهدد بالفقر, ونسبة عالية من هؤلاء تعيش اليوم تحت خط الفقر الخاص بالدول الأوروبية. إن أكثر الفئات التي تعاني من حالة الفقر وسوء التغذية والرعاية الطبية هم الأطفال من أبناء العائلات الفقيرة, ثم النساء اللواتي لهن أطفال ويعشن دون شريك حياة, وكذلك العائلات بطفلين فأكثر.وتشير المعلومات إلى عدم وجود أطفال من العائلات العمالية ممن يحسب على المتفوقين في الدراسة بسبب سوء ظروف حياتهم ومعيشتهم وسكناهم وصحتهم.
بلغ عدد العاطلين عن العمل 3.406.000 نسمة في نيسان من العام 2010 أو ما يعادل 8,1% من مجموع عدد القادرين على العمل.
يبلغ عدد مستلمي المساعدة الاجتماعية 2.9 مليون نسمة أو ما يعادل 3,5% من مجموع السكان.
ولكن ما يمكن تسجيله في هذا الصدد أيضاً هو الإجراءات المستمرة التي تتخذها الحكومة الألمانية المحافظة واليمنية منذ عدة سنوات بشأن تقليص مستمر للخدمات الاجتماعية والمكاسب التي تحققت للسكان في فترة المنافسة الاجتماعية مع الدول الاشتراكية, وخاصة في مجال الصحة والتعليم والثقافة ورياض الأطفال ورواتب المتقاعدين, إضافة إلى الارتفاع المستمر للضريبة غير المباشرة على السلع والخدمات, مما يزيد من متاعب الفقراء وأصحاب الدخل المحدود, في وقت تخفف نسبة الضريبة التي تفرض على الدخل لذوي الدخل العالي والشركات الكبيرة وأصحاب المليارات والملايين.

إن لم تكن هناك فائدة من وجود المعسكر الاشتراكي في حينها, ففائدته الأساسية كانت في حصول الطبقة العاملة وعموم السكان على مكاسب مهمة في الدول الرأسمالية لأن الرأسماليين كانوا يخشون من قوة المثل في الجانب الاجتماعي لتلك الدول, وبالتالي كانوا مجبرين على أعطاء بعض الحقوق المشروعة والعادلة والضرورية للعمال وغيرهم من المنتجين للسلع والثقافة والخدمات العامة والتي كانوا محرومين منها سابقاً.

إن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها العالم حالياً تتجلى في ما هو حاصل في اليونان وما يمكن أن يحصل في دول أوروبية أخرى دعْ عنك الدول النامية التي تعاني أصلاً من مشكلات كبيرة حتى قبل الأزمة الجارية. إن القروض الراهنة التي تقدم اليوم إلى اليونان في ضوء اجتماع وزراء المالية في الثاني من أيار/مايس 2010 لا تعني سوى المزيد من وقوع اليونان تحت رحمة القارضين وفرض شروطهم القاسية على اليونان التي تزيد من مصاعب عيش الفئات الكادحة من الشعب اليوناني وليس الأغنياء والمترفين منهم وتزيد من عدد العاطلين عن العمل لأنها تقلص القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السكان وتقلل من الدخل الحقيقي لهم وتقلص من حجم الخدمات التي تقدم لهم أو تفرض تعريفات إضافية عليها. إنها سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تخدم بالأساس الدول والشركات الأكثر غنى. إن محاولة إنقاذ الاقتصاد اليوناني من الانهيار والإفلاس لا يرتبط بالرغبة في مساعدة الشعب اليوناني بقر ما يرتبط بالخشية من انهيار العملية الأوروبية الموحدة اليورو في مقابل العملات الأخرى والتي بدأت بالوضوح حالياً في العلاقة بين اليورو والدولار الأمريكي.

إن العالم الرأسمالي سيواجه دون أدنى ريب مصاعب وتناقضات اجتماعية ونزاعات سياسية معقدة لعدة أسباب جوهرية, وهي:

1 . إن كبار الرأسماليين وشركاتهم وممثليهم في السلطتين التشريعية والتنفيذية على نحو خاص يرفضون العودة إلى المساومة التي برزت في عقود الحرب الباردة بين العمل ورأس المال بما يخفف من درجة شدة الاستغلال ويخفف من التناقضات الاجتماعية, فهم يطبقون اليوم رأسمالية استغلالية خالصة ترفض المساومة على توزيع الدخل القومي بين الأجر وفائض القيمة لصالح فائض القيمة, بل يسعون بكل السبل إلى زيادة أرباحهم على حساب الأجور ومدخولات الأفراد.

2 . إن هذا الواقع يوسع الفجوة الراهنة بين الغنى والفقر في كل بلد رأسمالي وفي العالم عوماً ويعمق الاصطفاف الطبقي الراهن,

3. إن هذا التناقض الأساسي والرئيسي يمكن أن يقود إلى صراعات طبقية ونزاعات متنوعة في المجتمع الواحد وعلى الصعيد الدولي.

4 . وأن العلة تكمن في طبيعة النظام وفي السياسات المالية والنقدية, ومنها المصرفية والتأمينية والضريبية وسياسة الأسعار والمضاربات المالية لكبار الرأسماليين وشركاتهم العملاقة, إضافة إلى غياب دور الدولة في الرقابة والتوجيه والتعديل والإشراف على نشاط المؤسسات المالية والنقدية والمصرفية وغيرها.

ويبدو لي أن حركة شعبية واسعة ستنهض تدريجاً لتفرض على الحكومات في تلك الدول صيغاً جديدة وسخونة في الصراع, وفي حالة مواصلة الإصرار على السياسات الرأسمالية الدولية الراهنة التي ترسمها الدول السبع الكبار + واحد, ستنشأ أجواء ثورية يصعب على العالم الرأسمالي احتواء نتائجها.

إن الأزمة التي تعاني منها الدول الرأسمالية تبرز في الجانب السياسي والاجتماعي في تنامي التوجهات اليمينية ونقص الديمقراطية بالنسبة للجماهير الواسعة في الدولة الواحدة لصالح التمثيل في الاتحاد الأوروبي والذي خلق إشكاليات كبيرة في كل من هذه المجتمعات.

نحن في بداية حالة جديدة في الحركة الفكرية والسياسية والنقابية العالمية. ومن لا يقبل على "دفع الجزة (فروة الخروف) سيجبر على دفع الجزة والخروف" وفق المثل الشعبي العراقي.

إن الطبقة العاملة, التي اتسع مفهومها في المرحلة الجديدة وفي عالم معولم اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً وبيئياً ... لتشمل أوساطاً جديدة من فئات المجتمع ..الخ, يفترض فيها أن تسعى على وحدة الصف في مقابل وحدة كبار الرأسماليين على الصعيد العالمي من خلال تنسيق السياسات والمواقف ومن أجل فرض تغييرات عميقة على الواقع الراهن لصالح المنتجين والكادحين في المجتمع. فالجشع الرأسمالي لا يقف عند حد أبداً, والرأسمالي ينادي دوماً: هل من مزيد؟, إن لم يلجم بسياسات فعالة وعقلانية ومدروسة جيداً من جانب النقابات والأحزاب اليسارية الديمقراطية وممثلي العمال والكادحين في الدول المختلفة وعلى الصعيد العالمي.

9/5/2010 كاظم حبيب





المصادر: أشير هنا إلى بعض المصادر, وهي كثيرة بهذا الخصوص.

Berliner Zeitung. Das Risiko steigt. von Eva Rot. Nr. 105 vom 7.5.2010. h. S. 9

Europäisches Jahr zur Bekämpfung von Armut und sozialer. Webseite Ausgrenzung: Europäische Kommission. 9L5L2010.

Zahl der Armen in Deutschland wächst rasant. Spiegel Online. Von 17/2/2010
Die Sozialpolitik ist gescheitert. News. de
Opinions