Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

الفيزياء الحديثة بين الممكن والمستحيل

jawadbashara@yahoo.fr
كلما طالعنا كتاباً أو مقالاً أو بحثاً في الفيزياء الحديثة نصطدم بالحدود التي تفصل بين الممكن والمستحيل، وهي حدود وضعها في قالبها النظري العالم الفذ ماكس بلانك Max PLANCK والتي صارت تعرف بثوابت بلانك constantes de Planck مثل جدار بلانك Mur de Planck وزمن بلانك Temps de Planckومجال بلانك Champs de Planck وغيرها في إطار ما عرف بفيزياء الكم وأبحاث ماكس بلانك La physique quantique et travaux de Max Planck

قام ماكس بلانك Max Planck بدراسة ظاهرة "إشعاع الجسم الأسود" rayonnement des corps noirs. وفقا للنظرية الكلاسيكية، ويجري تبادل الطاقة داخل الجسم الأسود على نحو مستمر. هذه النظرية تتنبأ بأن كثافة إشعاع الجسم الأسود لطول موجة معينة يتناسب مع مربع القوة لقيمة هذا الطول الموجي. ولم تكن هذه النتيجة تتوافق مع الملاحظات التجريبية، هذا من جهة، كما ينطوي على ذلك ضمناً أن إجمالي الطاقة المنبعثة من الجسم الأسود كانت لانهائية، من جهة أخرى. ولذا بات من الضروري إعادة النظر في عمق أو جوهر النظرية الكلاسيكية.

تناول ماكس بلانك المشكلة في الاتجاه المعاكس وحاول أن يجد صيغة تحليلية للمنحنى التجريبي الناجم عن الرصد والمراقبة أو الملاحظة. وبمجرد الحصول على هذه الصيغة، تعين عليه أن يفسرها فيزيائياً. وكان التفسير الوحيد المقبول الذي وجده بلانك تطلب أن يستبدل التبادلات والتداخلات interférences المستمرة الطاقة بكميات محدودة من الجسيمات وصفها بأنها الكوانتات. وإن كمية الطاقة التي يحملها الكم أو الكوانتا الطاقوي quantum d’énergie تتناسب مع تردد الإشعاع المرتبط بها. إن علاقة التناسب مساوية لثابت يسمى ثابت بلانك constante de Planck والتي يمثلها حرف هـــ H .

ولدت نظرية الكم أو نظرية الكوانتا، والمعروفة بفيزياء الكم، مع بزوغ القرن العشرين ، في سنة 1900 ، في أعقاب أعمال ماكس بلانك وهكذا ، ثبت أنه وفقاً لنظرية الكم لماكس بلانك ، فإن كل تبادل للطاقة بين أي جسيمات يتم من خلال نقل كميات محدودة من الطاقة. ويقال عن ذلك أن تبادلات الطاقة يكون كمومياً quantifiés .

وبعد شيوع مفاهيم ميكانيكا الموجة ، ومعادلة شرودنغر l’équation de Schrödinger ومبدأ التكامل le principe de complémentarité ، منذ سنة 1905 ، نجح ألبرت أينشتاين Albert Einstein بتفسير التأثير الكهروضوئي photo-électrique باستخدام نظرية الكم لبلانك التي ظهرت حديثا (والتي أكسبته جائزة نوبل للفيزياء). الاتجاه الرئيسي لهذا التفسير يكمن في حقيقة أن كوانتا الطاقة quantum d’énergie المرتبط بتردد ما للضوء، يتصرف على انه جسيم مادي . وقد سمى آينشتاين هذه الجسيمات الضوئية الفوتونات les photons .

ما هو ثوري حقا في فكرة آينشتاين يكمن في حقيقة أن الضوء قد حصل، بفضل نظرية ماكسويل الكهرومغناطيسيةélectromagnétique ، على طبيعة متموجة ondulatoire مؤكدة. واعتبر الضوء بعد ذلك بمثابة موجة كهرومغناطيسية. ومع افتراض وجود الفوتون ، بدا الضوء فجأة ككيان هجين ، يتصرف أحيانا كموجة ، وأحيانا كجسيم. وكان ابتكار أينشتاين لمفهوم الفوتون هو الخطوة الأولى نحو ثورة في عمق الأسس الجوهرية للفيزياء الكلاسيكية.

بينما أعطى الفوتون للضوء -- موجة الضوء – صفة أو ميزة جسيمية كروية ، طبق العالم الفرنسي لويس دي بروجلي Louis de Broglie الفكرة المعاكسة على الجزيئات المادية. وقدم الافتراض القائل بأن سلوك الجسيمات (الجسيمات المعروفة في ذلك الوقت هي الإلكترون ، والبروتون والنيوترون) سلوك مزدوج يمكننا من وصفها في آن واحد بأنها مظهر من مظاهر الجسيم ومظهر من مظاهر الموجة. حتى انه يربط صفة موجة في كل جسيم مادي، ووضع أو طور آلية mécanique للتعامل مع هذه الكائنات الجديدة: وسميت نظريته بالميكانيكا الموجية mécanique ondulatoire.

وفقا لميكانيكا الموجة ، يرتبط بأي جسيم موجة، يكون الطول الموجي فيها يتناسب عكسيا مع طاقة الجسيم. ويترتب على ذلك أنه كلما كان الجسيم أكثر نشاطا (أي كلما كانت سرعته كبيرة ، كلما كان طول الموجة المرتبطة به قصيراً. وأخيرا تم تعيين معادلة الموجة المرتبطة بهذه الجسيمات من قبل إرفين شرودنغر Erwin Schrödinger عام 1926 وعرفت باسم معادلة شرودنغر للموجة équation d’onde de Schrödinger .

وسلط الضوء على الموجات المرتبطة بالإلكترونات على يد العالم ديفيسون كلينتون Clinton Davisson سنة 1925 إثر تجربة التداخلات والتفاعلات expérience d’interférence (والمعروفة باسم تجربة ثقوب ديونغ expérience des trous d’Young ، في إشارة إلى الفيزيائي البريطاني توماس يونغ Thomas Young ، الذي كشف في عام 1801 عن تداخلات أو تفاعلات ضوئية عن طريق تمرير شعاع ضوء بين ثقبين في لوح خلفه شاشة تتلقى الضوء المتسرب من الثقبين). وتنبعث الالكترونات من مصدر معلوم ، يتم تسريعها ومن ثم إرسالها على سطح الكريستال حيث المحاذاة الذرية أو الترتيب الذري يلعب دور الشقوق المتحاذية في تجربة يونغ. ووفقا لتفسير جسيمي كريوي نووي بحت corpusculaire لطبيعة الإلكترونات ، ينبغي أن يكون توزيع الإلكترون بعد مرورها عبر اللوحة المشروخة على نحو كلاسيكي بيد أن التجربة أظهرت أن توزع الإلكترونات جاء على شكل صفوف franges يشبه صفوف الالكترونات الناجمة عن التداخلات. فمراقبة أو رصد صفوف التداخلات يعني بالضرورة أن الأشياء أو الأجسام المرصودة هي موجات، وليس جسيمات! وباختصار ، فإن الإلكترونات تتصرف مثل الجسيمات في الظاهرة الكهروضوئية وكموجات كما هو الحال في تجربة ثقوب يونغ.

وهكذا استنتج الفيزيائيون أن الموجات الكهرومغناطيسية électromagnétiques تتمتع كذلك بصفة ذات طبيعة جسيمية كريوية نووية corpusculaire ، ومن جهة أخرى فإن الجسيمات المادية هي أيضا ذات طابع موجي. وهنا توجد مفارقة لا يمكن تخطيها. حسم نيلز بوهر Niels Bohr السجال الدائر بهذا الصدد بإعلانه مبدأ التكامل le principe de complémentarité الذي جعل حصيلة هذه النتائج غير قابلة للتوفيق فيما بينها على ما يبدو.

تجدر الإشارة إلى أن مبدأ التكامل le principe de complémentarité يقول: أن الجسيمات والضوء هي كوانتات أو كموم من الطاقة يكون سلوكها في آن واحد كجسيمات نووية وتموجية corpusculaire et ondulatoire (تنافس الموجة ـــ الجسيم أو ازدواجية الطبيعة).

تتحدث الفيزياء الكمية أو الكوانتية عما يسمى بــ "انهيار" الموجة Effondrement" de l’onde وعلاقات اللاحتمية لهايزنبرغ relations d’incertitude d’Heisenberg المعروفة بمبدأ عدم اليقين. فما الذي يحدد سلوك موجة أو جسيم من الجسيمات؟ أو بعبارة أخرى ، ما الذي يفسر أنه في بعض الظواهر ، تتصرف الجسيمات كموجات وفي ظواهر أخرى تتصرف كجزيئات ؟

قبل كل شيء ، ينبغي القول أن الجسيمات توصف دائماً باعتبارها كيانات موجية ــ جسيمية ذات طبيعة مزدوجة. وفي الواقع ، وحسب سمات الظواهر ، فإن الطبيعة الموجية تكون هي السائدة أوالطاغية على الطبيعة الجسيمية أو العكس بالعكس ، ولكن كلا النوعين أز الطبيعتين موجودتين دائما في نفس الوقت.

وكما قلنا سابقا ، فإن الطول الموجي للموجة المرتبطة بجسيم يتناسب عكسيا مع طاقة الجسيم. عندما يكون الطول الموجي أقل من، أو هو بمستوى أبعاد "الأشياء أو الأجسام" المتداخلة أو المشتركة في هذه الظاهرة ، عندها تكون الطبيعة الجسيمية ــ الكروية للجسيمات هي المسيطرة. وفي المقابل ، إذا كان الطول الموجي يتجاوز أبعاد "الأجسام" المشاركة ، فسوف تكون الطبيعة الموجية للجسيمات هي التي سيتم رصدها. والحال، فإن طول موجة ما يكون قصيراً للجزيئات الحيوية جدا أو النشطة. نخلص من ذلك إلى أن الظواهر التي تحدث في الطاقات العالية سوف تظهر سلوك الجسيمات بطبيعتها الجسيمية ــ الكريوية corpusculaire بينما ، على العكس من ذلك ، ستكون ظواهر ذات الطاقات المنخفضة بالأحرى ذات طبيعة موجية ondulatoire.

وعلى نحو تصوري ، يمكننا أن نقول إن جسيم ذو موجة، مع طول موجة كبير، وبالتالي يصعب تحديده، سيكون سلوكه موجي ( الموجة ليست ظاهرة غير محددة الموضع). فعندما يقصر طول الموجة، تغدو الجسيمات أكثر موضعية و تتصرف أكثر فأكثر كجسيمات (فالجسيم هو كيان وجود يمتلك بعداً وموقعاً محدداً واضح المعالم). في الواقع ، لقد درس فيرنر هايزنبرغ Werner Heisenberg هذه المسألة عن كثب ، وخلص إلى علاقات تربط بين الدقة التي يمكن أن تحصل وفق تحديد سرعة وموضع جسيم من جهة ، ودقة قياس طاقته اعتمادا على مدة القياس، من جهة أخرى. وتعرف هذه العلاقات ، بعلاقات عدم اليقين لهايزنبرغ relations d’incertitude de Heisenberg

ما تقوله هذه العلاقات هو ما يلي : 1. إذا كان مراقب يعرف تماماً موقع جسيم ، فلا يمكنه معرفة سرعة ذلك الجسيم والعكس بالعكس فلا يمكن للمرء أن يعرف بدقة الحالتين معاً في وقت واحد، 2. على مدى فترات قصيرة جدا من عدم اليقين فإن قياس الطاقة سيكون كبير جدا ، بمعنى آخر أن الطاقة يمكن أن تختلف أو تتماوج إلى حد كبير على مدى فترات قصيرة جدا! وبالتالي إن أسس الميكانيكا ستقوض بشكل خطير من جراء علاقات عدم اليقين أو اللاحتمية.

تفسير دالة الموجة أو عمل الموجة يتم وفق معادلة الموجة المرتبطة بالفوتونات وهي معادلة الموجات الكهرومغناطيسية في حين أن الموجة المرتبطة بالجسيمات المادية تفسر بمعادلة شرودنغر l’équation de Schrödinger. وهنا يكمن الفرق الرئيسي بين جزيئات المادة والفوتونات، إنه فرق كبير بين جسيمات المادة والفوتونات لأن موجة الفوتونات حقيقية (الموجات الكهرومغناطيسية حقيقية) ، في حين أن الموجة المرتبطة بجزيئات المادة تجريدية بحتة (الحلول التي تقدمها معادلة شرودنغر ليست ذات وظائف حقيقية بل معقدة). في هذه الحالة ، كيفي يمكن تفسير هذه الموجة المرتبطة بجزيئات المادة؟ ولتفسير وظيفة الموجة يتعين العودة إلى الفوتونات. في تجربة التداخل كما ذكرنا ، نحصل فوق الشاشة على مجموعة من الصفوف الضوئية التي تحدد شدة الضوء في كل نقطة من الشاشة. إذا ما تذكرنا دروس الفيزياء ، فسوف نتذكر أن شدة الضوء عند نقطة ليست مجموع سعة l’amplitude الموجات التي تمر عبر كل واحد من اثنين من الثقوب ، أي ليس مربع مجموع السعات من هذه الموجات.

سنفكر الآن بصيغة الفوتونات ، أي بصيغة الكموم quantas. فالصفوف المظلمة على شاشة التجربة جاءت مظلمة بسبب عدم وصول أي فوتون إلى هناك. قد يبدو هذا وكأنه حدث بسبب "السياج la palissade " ولكن اذا ما اعتبرنا الفوتونات المنبعثة من مصدر الضوء بمثابة تجمع من الجزيئات (أو كوانتات) التي لا يمكن تمييزها عن بعضها البعض ، فإن دراسة توزيع تلك الجزيئات على الشاشة يمكن أن يعالج من وجهة نظر إحصائية. ومن ثم يمكن القول إن الصفوف القاتمة هي مواضع حيث تكون الفوتونات فيها تنطوي على احتمالية تساوي صفراً ، عند وصولها. وعلى العكس من ذلك ، في موضع الصفوف المضاءة والمشرقة ، فإن احتمالية العثور على الفوتون تكون في حدها الأقصى.

ومن هذا المنطق البسيط جدا ، جمعنا بين السطوع الملحوظ في مكان ما على الشاشة مع إحتمالية العثور على الفوتون عند تلك النقطة. والحال أن السطوع الضوئي la luminosité ليس سوى شدة الموجة المضيئة ، وهذا يعني ، مربع سعة الموجة. وهكذا ، فإن احتمال العثور على فوتون في موقع ما متناسب مع مربع سعة الموجة الكهرومغناطيسية في هذا المكان.

يمكن نقل هذه النتيجة إلى جسيمات المادة particules de matière مثل الإلكترونات ، والبروتونات ، وما إلى ذلك. عندها نحصل على تفسير لوظيفة موجة مرتبط بالكم يقول: إن احتمال العثور على الكم (أو الجسيم) في مكان ما في الفضاء يتناسب مع مربع سعة وظيفة الموجة في هذا مكان.

كما رأينا في فيزياء الكم ، من غير الممكن حساب سوى احتمالات تحقيق التوقعات أو التنبوءآت. إن الوصف الكمي quantique للظواهر الكمية لم يعد حتمياً (وهذا يعني، التنبؤ بدقة بقيم الكميات الفيزيائية التي تشارك) ولكن على نحو غير حتمي. وبذلك فإن فيزياء الكم la physique quantique تختلف جذريا عن الفيزياء الكلاسيكية وهي قطعاً لا حتمية في جوهرها.

ابتكر علماء الفيزياء شكلية formalisme ــــ أي الصيغة المستلهمة من المذهب الذي يرى أن الأشكال تكفي بحد ذاتها بما فيها شكلية الحقائق العلمية ـــ وإطاراً عاماً يسمحان بوصف واحتساب التوقعات والتنبؤات للظواهر الكمية. وسميت هذه الصيغة بميكانيكا الكم la mécanique quantique. وقد نجحت هذه الأخيرة في تفسير عدد كبير من الظواهر مثل قدرة بعض المعادن على نقل التيار الكهربائي وامتناع البعض الآخر عن ذلك، وسبب انصهار بعض المعدن في درجة حرارة معينة ومقاومة أخرى لذلك ولماذا تبعث بعض الغازات الضوء عندما تسخن بدرجة حرارة عالية وغيرها الكثير من الظواهر التي كانت غامضة في الماضي قبل ظهور فيزياء الكم. فبفضل هذه الفيزياء الثورية تمكن الإنسان من تحقيق إنجازات علمية جبارة كنقل الصوت والصورة عبر الألياف الضوئية والانترنيت والتلفزيون الرقمي والبث عبر الأقمار الصناعية والتلفون المحمول والكومبيوتر المحمول والثابت وهي إنجازات كانت تعتبر في الماضي من المستحيلات وأصبحت من الممكنات البديهية اليوم ومن هذا المنطق يمكننا القول أن مستحيلات اليوم ستكون ممكنات الغد كاختراق الجدران دون الحاجة إلى هدمها والسفر بسرعات تفوق سرعة الضوء وإمكانية إخفاء الأشياء وجعلها غير منظورة للعين البشرية العادية والانتقال الفوري من مكان إلى آخر بواسطة تقنية التيليبورتيشن téléportation والسفر نحو الماضي والمستقبل والتنقل بين المجرات وزيارة العوالم الأخرى والاتصال بالحضارات الكونية المتقدمة جداً علينا والسيطرة على تكنولوجيا الليزر والنانوتكنولوجيا nanotechnologie واستغلال طاقة المجرة بعد التمكن كلياً من استثمار طاقة الشمس والطاقة المتجددة والدائمة وتكنولوجيا الروبوتيك. فليس ثمة ما هو ثابت أو جامد، بما في ذلك المكان والزمان. فهذا الطابع الكلاسيكي المحدد هو الذي يفسر قدرتنا على تخيل إدراك وفهم الطبيعة من خلال مولدات خلوية: فلم يعد ثمة حاجة بالتالي للتحليل بالمعنى الرياضي للمصطلح ولا للمعادلات التفاضلية. و سوف نكتشف يوماً ما أن وراء النسبية العامة لأينشتين تختفي مصفوفة ما Matrix، وأن الغموض في الميكانيك الكمومي يخفي نموذجاً غريباً ومذهلاً للوجود لايمكننا إدراكه اليوم .
Opinions