Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

المخفي في طيّات ُجبَب رؤساء كنائسنا

المتعارف عليه , هو أنه في كل فترة زمنية من تاريخ أي شعب , تبرز شريحة متمثلّة إمّا بتيار سياسي منظمّ اوبمؤسسه دينيه أو مجلس من وجهاء القوم تأخذ على عاتقها مهمّة قيادة مجتمعها وتدبير شؤونه لفترة زمنيه ما, يقرر مداها أكثر من عامل ما بين مستلزمات و نوعية إحتياجات المجتمع المتجددّه لديمومة الحياة و بين قوة تلك الشريحة القائده وقدرتها على تلبية إحتياجات ذلك المجتمع.
أي أن المجتمع يشكلّ وحدة متكامله عناصرها مكوّنه من أفراد يشتركون في عاداتهم وثقافاتهم وعقيدتهم وإرادتهم ,هذه المنظومه ألتي نسميها مجتمع هي بمثابة كيان ثابت على الأرض, أمّا النظريات و الأحزاب والكنائس فهي صناعات تشارك أجزاء (شرائح) منفرده او مشتركة من المجتمع في تكوينها وصناعتها نظرا لحاجة الأغلبيه إليها في حين من الوقت , وبالرغم من حقيقة تعدد مصادر هذه الصناعات ومرجعياتها , لكنّها تلتقي ولو في الحدود الدنيا من أهدافها فيما بينها و مع تطلعات مجتمعاتها التي خرجت من رحمها, وإلا لرفضتها الشعوب منذ لحظة نشوئها, إذن لهذه الشرائح دورها المؤثرّ صعودا ونزولا في تفاصيل حياة المجتمع و ترتيب أمورهم اليومية مع من يحيط بهم .

في لقاء سابق مع الاب سهيل قاشا, سأله السيد شاكر سيفو:

كيف ترى العلاقة الحقيقية بين الكنيسة والمجتمع ؟

أجاب الاب سهيل قاشا:

يجب أن تكون علاقة الكنيسة بالمجتمع علاقة مبنية على صدق التعبير والعمل والتفاعل المتبادل فالكنيسة هى جماعة المؤمنين الذين تربطهم رابطة واحدة نسميها الرابطة الروحية وعلية إن الكنيسة هي أداة التعبير الروحية للمجتمع , والمجتمع هو مادة الكنيسة التي لا أقول تقود المجتمع بل ترتقي به نحو المثل العليا والخلق الكريمة وترسو به في ميناء السلام دائما . والمجتمع أيضا بدورة يجب ان يتبادل مع الكنيسة . العمل الجاد والمخلص سترشده بقيادتها ان كان هناك قيادة صالحة تعمل على المصلحة العامة وليس الخاصة .

من خلال نظره موضوعيه للمعطيات ألتاريخية ألتي أفرزتها التدخلات الأجنبيه تلك ألتي ما زلنا نشهد تشظياتها نتيجة الصراعات الدوليه والأقليميه مثالها الحملة الأمريكيه الأخيره ذات النزعه المغوّشه بإدعاءات تأخذ لها صبغة من ألوان المسيحيه المستحدثة حيال تبرير محاربة ما تصفه بالإسلام المتشدد , في خضمّ هكذا أحوال ,لابّد للمتابع المهتم أن يعي إلى جوهر أبعاد هذا التدافع الديني المسيّس و كيفية الحذر من إنعكاساته المؤذيه على وجودنا القومي والديني في بلداننا الأصليه في مشارق الأرض ,وما يقع على عاتق رجل الدين المتنوّر بالدرجة الأساس هو واجب التخفيف من أثار هذه السياسات الملتويه على العلاقات العامة داخل مجتمعنا وليس الوقوع في فخاخها ,وذلك من خلال الإبتعاد عن حشر الخطاب الديني في غير مجاله والسعي لإبقائه على عافيته الروحيه , والمسلمون العراقيون هم أول من يعرف بأننا, نحن الكلداشور السريان وهكذا الأرمن , لم نكن يوما سوى الضحية الوطنيه الأولى في كلا المجالين القومي والديني على حد سواء نتيجة كل التدخلات الأجنبيه ألتي حصلت في بلداننا بداية من الدول الجوار ثم تلك الموجات ألمتسللّه من الغرب على وجه التحديد, إذن ما دواعي إختزال الظلم الذي وقع علينا وحصره في مجاله الديني فقط ؟ ,اللهّم إلا لأغراض في نفوس أصحابها.

قراءة سريعه لرد الأب سهيل قاشا , نفهم من خلالها بأن الأب قاشا يؤكد على أنّ الكنيسه هي أداة التعبير الروحيه للمجتمع , وبإمكان مجتمعها المسيحي أن يعيش متحابا و في مأمن مع الأخرين كلما كانت هناك قياده صالحة تتخذ من معاني المسيحية منهجا صريحا في تعاملها وبموجبه تحترم إرادة أبناءها.

لننتقل الأن إلى ما جاء في بيان إجتماع رؤساء كنائسنا الأخير , فالملاحظ أنّ البيان الصادر عن المؤتمر الخاص الذي عقده رؤساء كنائس العراق مؤخرا و برعاية الكاردينال مار دللّي الثالث , لا ننكر أنه يحوي من الأمور ما هو إيجابي وسلبي في أن ٍ واحد, فدعوة المؤتمر الصريحة والواضحة إلى توحيد الكنائس, ونحن نقول لا بأس لو تحقق التنسيق فيما بينها على الاقل ,فهو أمر مفرح ومبعث تفاؤل حقيقي لكافة أبناء طوائف ومذاهب كنائسنا في العراق, والكل يعلم بانّ قدسية ومعنى هذا الهدف تندرج وجوبا ً في خانة أولويات مهام قيادات الكنائس في هذه المرحله , أما الأمر الملفت للإنتباه في عدم وضوح دوافعه , هو سبب تطرّق البيان (الديني) وتناوله شأن الأحزاب السياسيه (القوميه) ولصق تسمية المسيحيه بها, حيث معلوم لدى الجميع بأن الكنيسة كماسبق وكررّت تأكيدها في العديد من خطاباتها بأنها لا تتدخل بأمور السياسة بأي شكل من الأشكال, ولكن ما ورد يثبت العكس, على أيّة حال , نقول إن كانت كنائسنا فعلا ترى أنّ من واجبها وهي مشكوره, توجيه دعوة التوحيد إلى أحزابنا ودعم فكرة تقاربهم , كان الأجدر بها ولتأكيد مصداقيتها تحاشى الصيغة ألتي من شأنها إثارة الشكوك حولها , بحيث تظطرّنا إلى التساؤل عن ما الذي يمنع محرر البيان من ذكر الأشياء بمسمياتها الحقيقية وبكل شجاعه , لأنّ ألمعروف عن أحزابنا السياسية مهما صغر او كبر عددها , فهي (كلدواشوريه سريانيه) قوميه و بأسماء شاءت الاقدار أن ترد مرة منفصله وأخرى متصله ما بين اشورية أو كلدانيه أوسريانيه , مع إعتقادي الجازم بأن رجال كنائسنا على علم مفصّل بالصراع ألذي يدور على الساحة العراقيه ومساعي بعض الجهات السياسية ألتي تتصيّد و تريدنا أن نكون مسيحيين فقط بالضبط كما فعل بيان رؤساء كنائسنا , ويعرف قادتنا الروحيين جيدا بأنه لو تفضّلت علينا بعض الأحزاب القومية في العراق وأسدت لنا من أفضالها فإنها ستضيف إلى وصفة المسيحيين إما العرب أو الأكراد او الكردستانيين , أذن أين وقفت كنائسنا حين سمّت أحزابنا بالمسيحية فقط؟سؤال طبيعي جدا والإجابة الصريحة عليه سوف لن تضع الكنيسة في موقف تحسد عليه خاصة حين لا تكون الدقّة والمصداقية هي من العناصر المعتمده في تحرير مثل هذه البيانات المهمّة.

أمّا ألأمر الأخر وهو الأكثر إثارة للريبة والإستغراب, فهو العجالة التي زج بها المؤتمر نفسه في تناول موضوعة سياسية بحته والمتعلّقه في رفضه لمشروع أقليم أو حكم ذاتي او إداره ذاتيه في سهل نينوى , دون أي تعليق حول موقف الكنائس من دستور العراق ومسألة الفيدرالية وكيفية تطبيق الماده 140 وما يتبع ذلك من دخول في أنفاق تحتاج إلىمستشارين و عقول سياسية بحته , هذه أمور لابد لها أن تتواجد كي يكون الطرح مسبوك بشكل متكامل في حال رضيت الكنيسة في توريط نفسها في السياسة و لو أريد من التصريح أن يكون سياسيا فهو بالتالي سيتعرض للنقد والمناقشة ,و مسألة الإكتفاء بالرفض للمشروع من دون توضيح أو إيجاد بديل أخر , يعطينا إنطباع أولّي للتكهّن بأنّ كنائسنا تشتهي أو يراد منها أن تتدخل في السياسة لكن من وراء الكواليس وهنا تكمن المصيبه , والدليل هو أن هذه الإشارات السياسية الغير كامله بإعتبار أحزابنا مسيحيه دينيه ورفض مشروع سهل نينوى وبهذا الشكل الغير المتقن في عرضه يجعل القاريئ يضرب الأخماس في الأسداس ويتساءل مستنتجا , هل أن كنائسنا فعلا (((بعيدا عن التدخل بالسياسة كما تدّعي ))) هي مقبله على إعلان رفضها العلني للنظام الفيدرالي بأكمله في العراق , أم أنها(كنائسنا) ستؤيد الجزء الذي يضمن حق الأقوياء والأغنياء من (الغير مسيحيين) في إقامة ألأقاليم لنكون نحن تابعين أذلاء لشرائع المعممّين وقوانين الأقوياء, وإلا ما معنى أن تزج الكنيسة نفسها في هذا الأمر السياسي الحساس ليبادر رؤساء الكنائس طواعيّة إلى رفض وتحريم هذا الحق القومي لأبناءهم أمام عنجهيّة حشود المعممّين وشوفينية القوميين المتربصين .

إنّ جهلي للسبب الحقيقي وراء مثل هذه التصريحات يضعني في موقف محرج مما يظطرني إلى الإكتفاء بطرح أسباب محتملة عسانا نصيب في أحدها و من هذه الإحتمالات , إحتمال ورود تعليمات من مراجع دينيه عليا , او ربما بسبب ضغوط من الداخل تمارس بهذا الإتجاه يقابلها إغراءات ووعود تضمن للكنيسة ما تسعى إليه في إمتلاك اليد الطولى في فرض سلطانها كمؤسسه على رعاياها.
ولكننّي لا أنسى ذكر السبب الحقيقي وراء ما نشهده, ألا وهو تقاعس أحزابنا و تمايل بعضها نحو اليمين والأخرى بإتجاه الشمال حيث المنصب والمغدقات مما زاد من تلكؤهم وقصورهم في توحيد كلمتهم لأخذ المبادره من أجل فرض أجندتهم السياسية على الأرض بحيث أصبحنا كما يقول المثل : لا حظت برجالها ولا خذت سيد علي .

Opinions