Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

المرجعية ... وشذرات من الحكمة

يعتبر الارث المرجعي الذي خلفه آية الله العظمى السيد محسن الحكيم " قدس سره الشريف " من اضخم ماخلفه مرجع في التأريخ الشيعي الحديث , فهو الذي جعل للمرجعية الهيبة والسلطة , ووضع لها اسس الموقع الذي تشغله الان في العراق , بعد ما اتسم موقعها بالضعف، والهزال.. مما جرأ حكومات الحقبة الملكية بالتضييق عليها وعزلها ، وتسفير الكثير من كبار المراجع في النجف الاشرف الى ايران ، وابعاد آخرين الى الهند ايام حكومة رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون في ثلاثينيات القرن الماضي .

لايمكن استعراض الخدمات التي قدمها الامام الحكيم (رض) للمجتمع العراقي ، ولمذهب التشيع وللاسلام عامة ببضع كلمات نسطرها في هذا المقال, لكن لابأس من ذكر شذرات من سيرة هذا الامام الهمام ، الذي راسل الملوك ، واتصل بكبار زعماء العالم لتمشية مصالح الناس الذين لجأوا اليه طلبا لموقفه المساند لقضاياهم العادلة , حتى صار ذكر الحكيم وصورته , يتداولها الاعلام العالمي بكل احترام وتقدير .

لقد تبلورة الشخصية المذهبية لأتباع آل بيت الرسول , وصار للشيعة في كل دول العالم موقعا محترما وسندا قويا بفضل جهود وإخلاص هذا الرجل الرشيد وعلاقاته " العلمية والاجتماعية والسياسية " المتشعبة بكل المجتمعات في الدول المهمة , والمحافل الدولية في تلك الفترة التي عاصرها .

الصدفة، جمعتني بالمستشرق شتيهافان في مدينة بروكسل اثناء الاحتفال بيوم المرأه العالمي للعام 2010 وبمجرد ان عرف انتمائي المذهبي، حتى صار يسرد لي ما جمعه من شذرات المرجع الحكيم ويظهر لي اهتمامه واندهاشه به , ويسأل مستغربا :

كيف لرجل بذلك العمر، وذلك الوقت، لايملك الثروات ولا يرأس دولة ليسخر مواردها، ولم يتصدر موقعا سياسيا في المحافل الدولية ليغير النظرة العالمية لمذهب مضطهد ومحجورا عليه وممنوعا في اغلب الدول التي يتواجد فيها الى الدرجة التي اضطر العالم الغربي ان يتعامل مع هذا المذهب وعلمائه بكل ادب واحترام ؟!

يسترسل الدكتور شتيهافان قائلا :

" يكفي هذا الرجل فخرا , ان تصدى لهجمة الالحاد والتفسخ الاجتماعي التي اجتاحت العالم في اواسط القرن الماضي , وينهي خطر هذه الهجمة على العراق وايران ولبنان ومجتمعات الخليج العربية , وينقذ اتباع المذهب الشيعي من الوقوع في شرك هذا الخطر المتظاهر بالاشتراكية , ونصرة الطبقة الكادحة , في حين لم تصمد امام هذه الهجمة الكثير من الدول والمجتمعات المتمسكه بالدين الاسلامي , بحيث ترى اقل الدول تأثرا بموجة الالحاد هي الدول التي يكثر فيها اتباع المذهب الامامي " .

لايمكن لنا الحديث عن منجزات السيد محسن الحكيم من دون المرور على موقفه الخالد من القضية الكردية في العراق , حيث كانت فتواه الجريئة في تحريم قتال الشعب الكردي - هذه الفتوى التي افشلت محاولات السلطة الحاكمة , في اضافة المسحه الدينية , الى حربها الظالمة ضد شعبنا في كردستان العراق .

لم يكن موقف آية الله الحكيم مجرد نصرة او اصطفاف سياسي مرهون بتلك المرحلة التي كان يمر بها العراق , بل ان السيد محسن (رض) اسس لمشروع عراقي أعاد به بناء اللحمة الوطنية التي اصيبت بتصدعات نتيجة تصرفات لا مسؤولة من جهات عدة مؤثرة في المشهد العراقي , وبذلك سحب المبادرة من السلطة الحاكمة التي لم تكن عادلة في اهتمامها بطوائف الشعب العراقي , واظهر عورتها - الشيفونية المقيتة - التي كانت تتعامل بها تجاه اخوتنا من ابناء الشعب الكردي .

لقد خط الامام الحكيم خطوطا لسلطة المرجعية , ووضع اسس عملها الأبوي في ادارة المجتمع في فترة ظهور ملامح الدولة في العراق الحديث , وجعل للمرجعية الكلمة الاكثر تأثيرا في الاحداث , اجتماعيا وسياسيا بالرغم من افتقارها للامكانات التي تملكها الدولة والسلطة , حتى صار بيت الحكيم مزار الوفود والشخصيات السياسية . ولأهمية العاصمة بغداد , ولأجل ان يكون الحكيم موجودا في قلب الحدث , كان مكتب المرجعية في بغداد بمثابة السلطة الروحية التي تمسك بكل الخيوط - إن جاز التعبير- , الامر الذي استفز الجبابرة من حكومات البعث ايام حقبتهم الدموية , وقد حاولوا بشتى السبل ان يعزلوا المرجع ويضعفوا من دوره وتأثيره في الاحداث للدرجة التي صار فيها اسم الحكيم تهمه تصل عقوبتها إلى الاعدام , فأتوا على ذرية هذا المرجع العظيم وقتلوا منهم نجوما واساتذة لامعين في حاضرة العلم والمعرفة , " النجف الاشرف " , ومع كل هذه الحرب التي قادها البعث البائد واصنامهم المجرمين , والاستبداد , والدموية التي حكموا بها العراق , لم يتزحزح موقع المرجعية في نفوس المجتمع العراقي , هذا الموقع الذي بناه السيد محسن الحكيم في الشخصية العراقية , حتى اتى أُكله في سقوط البعث يوم التاسع من نيسان عام 2003 عندما هرعت جموع العراقيين الى بيت المرجع الاعلى السيد السيستاني وبيت المرجع الكبيرالسيد محمد سعيد الحكيم " دام الله وجودهم ", لتستأنف المرجعية رحلتها في العراق وتضع اسس العمل الديمقراطي , وتعيد مسك الامور, مستفيدة من الهيبة والسلطة الروحية التي وضع اسسها السيد محسن الحكيم " رضوان الله تعالى عليه " .

أن الحديث عن الامام محسن الحكيم له شجون وآهات ، ومعالم انجازات علمية ربما تَحدَث عنها الكثير ممن كتب مؤرخا لهذا المرجع , وتحدثوا عن كوكبة الشهداء التي قدمها هذا البيت الطاهر , قرابين على مذبح الحرية في العراق , لكن هناك الكثير مما لم يقله احد فيما تركه الحكيم من ذرية صالحة تربعت على كراسي البحث والتدريس في مدارس مدينة قم المقدسة والنجف الاشرف حاضرة العلم والعلماء , حتى تكاد لاتخلوا مدرسة من مدارس النجف الا وترى ( حكيميا ) مدرسا او مجتهدا على منصة البحث الخارج ، وفي كل مركز علمي او مؤسسة ثقافية ترى ذرية اولئك الشهداء من آل الحكيم ، واحدهم شعلة من نار يحاول بكل حيوية ونشاط اللحاق النجف بركب العلم والتكنلوجيا التي حرمت منها لعشرات السنين من حكومات الفترة المظلمة للبعث البائد .

قسم لي الباري تعالى ان ازور الفقيه والمرجع الكبير اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم في مكتبه المتواضع والذي كل زاوية فيه تجعلك تغوص في عالم الروح ، حتى يعرج بك الخيال الى تلك الغرفة التي كان يجلس بها جده الامام امير المؤمنين عليه السلام لمقابلة الناس وقضاء حوائجهم .

لم استطع مقاومة فضولي في النظر الى ملامح الوجه الكريم للمرجع الكبير وهو يتكلم ، الا ان محاولاتي بائت بالفشل لان عيوني تغرق بالدموع وانا انظر اليه فصرت اسلي نفسي بالنظر الى عمامته السوداء التي ظهرت عليها معالم القدم بدلالة الخرم الواضح في مقدمتها .

كان حديثه ادام الله وجوده وجعلني فداه , كله حكم ومواعظ ووصايا قال :

" انتم امناء على دينكم ورسل الاسلام الى اوربا والعالم الغربي ، فأذا احسنتم معهم , لا اقول هو احسان لانفسكم حسب , بل ستحسنون للاسلام , ولنبيكم الكريم صلى الله عليه واله , وستجعلون بحسن اخلاقكم من يريد الاساءة الى النبي , يتردد الف مرة , قبل الخوض في مثل هذا الفعل الشنيع , لااقول قابلوا الكلمة الطيبة بالكلمة الطيبة , بل اقول لكم بادروا الى الطيب من الكلام وابدءوا به ولايسبقكم اليه احد , اظهروا محاسن دينكم , انها فرصه ان تكونوا في تلك البلاد لتكون صلاتكم فيها مضاعفة الثواب وعباداتكم ستكون في اعلى الدرجات انشاء الله , حافظوا على اولادكم واحرصوا على تربيتهم تربية اسلامية , اغرزوا في نفوسهم الحب للناس , والارتباط بالنبي واله الاطهار , فأن بركة هذا الحب والارتباط ستفتح لهم آفاق المعرفة بالدين والالتزام بتعاليمه .

بهذه الكلمات المباركة شغلني هذا السيد الجليل , وصرت اتمتم بها طيلة الزمن الذي استغرقته رحلة العودة الى كربلاء ( العِبره والعَبره ) .

الآن عندما سمعت كلام المرجع محمد سعيد الحكيم عرفت سر جده الامام محسن الحكيم وكيف كانت وصاياه تعيها الآذان , وتقبلها العقول , لتنحتها القلوب بنحتٍ لايمكن زواله .



Riyadh98@gmail.com




Opinions