Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

المندوب السامي الكردستاني في العراق

 

لعلكم قرأتم مثلي أنباء استقبال اردوغان لرئيس إقليم كردستان نيجرفان برزاني(1) ، التي اثارت في نفسي السؤال: اليست هذه هي نفس تركيا التي أاقام الإقليم الدنيا وأقعدها حين زارها رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري، ولم تنته العاصفة إلا بترك الجعفري حكومته ناجياً بجلده؟ وسحب هذا السؤال سؤالاً مشروعاً آخر: لماذا تكون زيارة رئيس حكومة دولة إلى دولة ما، جريمة تكلفه منصبه، ولماذا لا تكون كذلك عند زيارة رئيس الإقليم لنفس الدولة؟ وإذا كانت تركيا "محور الشر" بالنسبة لكردستان بالذات، بحيث ان مجرد زيارة رئيس حكومة العراق لها جريمة، فلماذا يتقاطر عليها ساسة كردستان كالمطر دون أن يثير ذلك انتباه أحد؟ وإذا كان أردوغان مثل هتلر بالنسبة للكرد، ولا تجوز مصافحته من قبل أي عراقي، تضامناً مع ضحاياه من الكرد، فلماذا يصافحه مسؤولوا الكرد أنفسهم بلا حرج، بل يحتضنونه احتضاناً وينزعون لباسهم القومي لكي لا يحرجوه عند لقائه؟

تعالوا نعود إلى زيارة الجعفري التي لم يمض عليها سوى بضعة سنوات ونستعيد ذكريات تفاصيلها، ففي مراجعة التاريخ فائدة احياناً لنفهم أين وصلنا وإلى أين نحن سائرون، وما هي نتيجة هذا الطريق.

عن أسباب إشكالية الزيارة كتب فاروق حجي مصطفى تحت عنوان : الأكراد متوجسون من زيارة الجعفري الى تركيا(2) يقول:

"زيارة الجعفري الى تركيا ولقاؤه مسؤولين اتراكاً أثار مخاوف الاكراد مرة اخرى وذلك لسببين، الاول هو ان الجعفري ما زال مصرا على الاستفراد بالقرارات وهو غير مهيأ حتى هذه اللحظة للنظر من داخل خيمة القوى العراقية الجامعة وهو بالتالي غير مستعد للتضحية بعلاقاته ورؤاه على حساب ضوابط العمل الجماعي، والثاني هو ان هناك غموضا يكتنف اسباب زيارة الجعفري."

هذا "الإستفراد" وذاك "الغموض" جعل الكرد وحلفائهم من العراقية والتوافق، لا تثق بالإئتلاف "الشيعي" وتعهداته للأكراد، مما دفعهم إلى عقد اجتماع "باشراف الرئيس العراقي جلال الطالباني ورئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني، كان احد اهم محاور النقاش زيارة الجعفري لتركيا وترشيحه من قبل قائمة الائتلاف. وحسب المعلومات، فان كل الاطراف التي حضرت ابدت تخوفها من هذه الزيارة وهل ستكون لها تدعيات في المرحلة المقبلة ام لا؟" وبحثوا عن "ضمان عدم الانفراد بالسلطة والقرارات السياسية والاقتصادية والامنية المهمة لاجل توفير مناخ سياسي ملائم لمشاركة جميع مكونات واطياف الشعب العراقي في رسم الخارطة السياسية العراقية الجديدة في ظل حكومة وحدة وطنية."، حسب الكاتب.

ونفهم من هذا أن الباقين، وخاصة الأخوة في كردستان يقدسون المشاركة، ومستعدون "للتضحية بعلاقاتهم ورؤاهم على حساب ضوابط العمل الجماعي"، وقلقون من الفردية، إضافة إلى قلقهم الشديد من تركيا. 

وبالفعل، قال جلال الطالباني انه "فوجئ" بزيارة الجعفري لتركيا، وسارع إلى الإعلان "ان الحكومة لن تكون ملزمة باي اتفاق قد يبرمه الجعفري هناك"! وأشار إلى أنه كان على الجعفري أن يلتزم بحقيقة ان حكومته هي حكومة تصريف أعمال، وهذا "لا يعطيها الحق في خوض محادثات مع دول أخرى قد تسفر عن اتفاق أو حتى اصدار بيان مشترك أو مذكرة تفاهم مما قد يفرض على الحكومة العراقية الدائمة التزامات لن تكون قادرة على الايفاء بها"..واتهمه بالإصرار "على نهج الانفراد والتجاوز والسعي الى تكريس سلوك لا يجسد بأي حال الرغبة التي عبرت عنها كل المكونات الوطنية والقوائم الفائزة في الانتخابات في أن تكون الحكومة المقبلة توافقية تشاركيه تعكس ارادة الجميع".(3)

وشنت الصحافة الكردية هجمات عنيفة على الجعفري، لم تكن التالية أكثرها عدوانية بالتأكيد، حيث كتب موقع حكومة كردستان (أنقلها بدون تصحيحات): (4)

"بين فترة واخرى يخرج علينا السيد الجعفري بمفاجآت سارة، ليؤكد فيها على عراقة وتمتين الوحدة الوطنية العراقية. وعلى توثيق العلاقة بين التحالف الكوردستاني والإتلاف العراقي. ومن جملة تلك المفاجئات التي عودتنا السيد الجعفري، هي زيارته الغير المتوقعة والوفد المرافق له الى تركيا، وفي مرحلة بالغة الاهمية وفي ظروف عصيبة يمر بها العراق بسبب تدهور الظروف الأمنية، وتاجيج الصراع بين الكتل الشوفينية والطائفية ومعاناة الشعب من تفشي البطالة والفساد، وفقدان الأمن .... ولولا دعم وتعاون التحالف الكردستاني له ولاعضاء حكومته لبقيَ السيد الجعفري الى الآن مهرولاً بوجه الحزين ،وبسحنته الكئيبة بين مصيف صلاح الدين ومنتجع دوكان. مردداً لشعارات الاخوة العربية الكوردية لكسب ود الكرد. .... وبدل تعاونه مع هيئة الرئاسة ونوابه في الرئاسة نجده على عناد اخوانه في التحالف يجتمع مع السيد اردوكان في تركيا، ... ومن دون علم رئيس الجمهورية ونوابه بزيارته الغير المعلنة الى تركيا ومن الرجوع الى السلطات الدستورية في البلد. وكانه يريد ان يقول لنا ولهم ها انا الجعفري المتنفذ وصاحب النفوذ القوي في العراق، وكلامي هو قول الفصل. وطالما انا مدعوم من عمي الكبير المرجع السيد السيستاني. ولا يهمني آراء واستشارات الغير من حولي."

ثم ينتقل مقال موقع حكومة كردستان إلى الفاظ أكثر "دبلوماسية" فيقول: 

"ولقد كشف الجعفري في زيارته هذه الى تركيا بصورة جلية عن اوراقه القذرة ونواياه الغير الحسنة تجاه الكورد والمسؤولين الكورد ولباقي التيارات الديمقراطية في العراق. وبانه لا يأتمن جانبه، مثل سابقيه من حكام العراق.(!) " 

ويكمل المقال: 

"وبدورنا نتساءل السيد الجعفري لماذا هذه الزيارة بالذات الى تركيا وفي هذه المرحلة؟، وماوراء تلك الزيارة وماذا يكون دور تركيا في حل الازمة العراقية. وهل يعقل حل مشاكل العراق بدون مشاورة بقية المسؤوليين العراقين في الدولة. ام ان في الزيارة ابعاد خفية ولا تحتاج الى اي تفسير. ويريد ان يقول بالكوردي الفصيح اللغة الرسمية للعراق الفدرالي لاخوانه في التحالف الكردستاني انه بعد حلفه مع تركيا واتباع مقتدى الصدر لا يقيم وزنا للكورد ولا لشعب كوردستان. طالما هناك من يسانده في تركيا من الشوفينيين والقوميين، ونفر من ايتام الجبهة التورك المانية. 

وباي حق قبل الوفد بتدخل تركيا في شؤون العراق الداخلية اثناء حديث السيد رجب اردوغان، وتاكيده على النقاط الخمسة. وفي مقدمتها بحث مسألة كركوك وتحذيره قادة الكورد وبصورة غير مباشرة بعدم بحث مسألة كركوك. ونقول اما حان الوقت اذن لقادة الكورد بان يستوعبوا الدرس الاخير ولا ينجروا بعد اليوم وراء سراب الشعارات والاحاديث العاطفية. ولقد ولّى زمن تقزيم الذات والغاء الآخر، فاليوم هو عصر لوي عنق السياسة نحو مصالح الشعب، وعدم التضحية والمجازفة بالثوابت التاريخية من اجل توازن الصراع بين القوى الطامعة.، ولا تفيد اليوم سياسة جبر الخواطر، ولعب دور الأخ الكبير بين الأطراف المتصارعة من أجل مصالحهم الضيّقة، ونقول كفى السكوت وتمرير المخططات علينا وعلى حساب حقوقنا القومية.

ليختتم بالفقرة التالية: 

"السياسة لا أمان لها، وا ن السياسة لا اب لها ولا أم . ماذا ينتظرون من مثل تلك الحكومة ومن مثل السيد الجعفري. انه يحيك لكم ولشعبكم المكائد والمؤمرات وامام اعينكم واذا كان صدام كان يتآمر في الخفاء على الكورد.وها هو السيد الجعفري يتآمر في العلن. وكما تأمر في فوزه على زميله عادل عبد المهدي، بتحالفه مع مقتدى الصدر في سبيل الفوز بالرئاسة، يا قادة الكورد، انه عصر الاتفاقيات وعقد التحالفات الاستراجية، وليس عصر ترتيب بيت الغير وان بيوتكم احوج الى الترتيب. 

فتركيا عليها ان لا تستمر في معاداة الكورد، بل تلتفت الى 20 مليون كوردي في كوردستان تركيا وحرمانهم من أبسط الحقوق الثقافية بسبب سياسة تركيا الشوفينية." – إنتهى اقتباسنا من مقال حكومة كردستان....

ماذا كان رد فعل الجعفري وإتلافه؟ ليس بالإحتجاج على كل هذه الضجة والهجوم غير المبرر، وإنما ببساطة وبأشبه بروح الإعتذار وأقرب إلى الإقرار ببعض الذنب، إن لم يكن كله: "رفض رئيس الوزراء العراقي ابراهيم الجعفري انتقادات الرئيس جلال الطالباني فيما يتعلق بزيارته التي استمرت يومين لانقرة قائلا ان الزيارة قانونية تماماً." (5)

وأكد الإئتلاف بأنه تم توضيح الزيارة والاجواء المحيطة بها "خاصة وان هناك وزيرا كرديا كان مدعوا وتخلف عن الحضور لاسباب غير معلومة." (6)

و قال الدكتور خضير عباس هادي عن تلك الزيارة التي تورطوا بها، انه «كان معدا لها منذ فترة وتأجلت لأسباب تتعلق بظروف البلد، وجرت التهيئة لمباحثاتها التي تشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والخدمية وأهمها مسألة توفير التيار الكهربائي وموضوع الموارد المائية».  وأضاف هادي، «هناك وزيران يرافقان رئيس الحكومة في هذه الزيارة وهما رشيد عبد اللطيف وزير الموارد المائية والقيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني وعديل الرئيس جلال طالباني، ومحسن شلاش وزير الكهرباء، واستغرب ان يكون عبد اللطيف، القيادي في حزب الرئيس طالباني وعديله ضمن الوفد، ويقول الرئيس انه لا يعرف عن هذه الزيارة».(7)

ليس من الواضح من الخبرين هل أن "الوزير الكردي" الذي "تخلف عن الحضور" هو نفسه الذي قال هادي أنه شارك في الزيارة أم أنه وزير آخر، وسواء كان الوزير قد تخلف فعلاً أو لم يتخلف، فيبدو لي أن جواب الإئتلاف المدعم بالأسماء المحددة، واضح وكاف لدحض "مقالق" الكرد، ولو كان فيه خطأ لقام الوزير المذكور بتكذيب الرد، وبين أنه لم يكن مدعواً وأنه كان في كذا مكان، وسيتحول الموضوع إلى أكبر مما صار، وهو ما لم يحدث حسب علمنا. هل كان الطالباني يقصد أنه "لم يوافق" حين قال أنه "لم يعلم" بالزيارة المفاجئة؟ 

هل كان هادي يقول الحقيقة من أن الزيارة "كان معداً لها من فترة طويلة" وتأجلت، أم أنها تهرب دبلوماسي؟ وجدت الخبر التالي الذي يعود إلى قبل حوالي سنة من زيارة الجعفري لتركيا، ففي 12  مايس 2005 ، كتبت الشرق الأوسط تحت عنوان: الجعفري يزور تركيا الأسبوع المقبل، ما يلي: 

"أفاد مصدر دبلوماسي تركي أمس، بان رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري سيقوم بزيارة إلى تركيا في 19 و20 الشهر الحالي للبحث في العلاقات الثنائية بين الجارين. وأوضح دبلوماسي لوكالة الصحافة الفرنسية طالبا عدم كشف هويته، أن الرئيس التركي احمد نجدت سزر سيستقبل الجعفري أثناء زيارته التي «ما زال الدبلوماسيون يعملون عليها»، كما انه سيجري محادثات مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية عبد الله غل. وكان الجعفري غائبا عن اجتماع وزراء خارجية دول جوار العراق، الثامن، الذي انعقد في أواخر الشهر الماضي في اسطنبول بسبب مشاغله في تشكيل الحكومة الجديدة." – إنتهى الإقتباس(8)

إذن، فجريمة الجعفري في تلك الزيارة قد خفّفت والحمد لله، بإزالة عنصر الـ "مفاجأة"، منها..، وجاء الحكم بطرده رغم ذلك التخفيف.

لكن هناك زيارة أخرى "مفاجئة" بالفعل، كما يبدو، وهي زيارة نيجرفان التي ذكرناها في البداية، فنقرأ على موقع "تركيا اليوم" وتحت عنوان "زيارة مفاجئة من "نيجيرفان بارزاني" إلى أنقرة"، خبراً يقول .. (9)

"هذه الزيارة المفاجئة أتت على خلفية دعوةٍ وجّهها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى بارزاني، ومن المزمع أن يعقدا لقاءًا ثنائيًّا بينهما لبحث الأحداث الأخيرة في سوريا، إضافة إلى تبادل وجهات النظر حول المؤتمر الوطني الكردستاني المقرّرة إقامته خلال شهر آب / أغسطس من هذا العام.  كما أن جدول أعمال بارزاني يتضمّن الاجتماع مع وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو للتفاوض حول التطورات الأخيرة في شمال سوريا وتحرّكات حزب الاتحاد الديمقراطي؛ امتداد حزب العمال الكردستاني في سوريا حول اعتزامه حكمًا ذاتيًّا هناك، فضلاً عن التباحث حول العلاقات المشتركة بين الجانبين على كافة الأصعدة. "!

دعونا نتجاوز كل تلك الحقائق ولنفترض أن زيارة الجعفري تمت بدون علم كردستان وموافقتها، ولم يكن فيها كرد ضمن الوفد، فهل كانت زيارة نيجرفان الأخيرة، بعلم بغداد وموافقتها؟ وهل كان فيها عرب ضمن الوفد المرافق للسيد الرئيس؟ أليس من العدل أن يتعامل الشركاء بشكل متناظر بينهما؟ لنفترض أن حجم كردستان مساوِ لحجم العراق بكليته مع كردستان، رغم ان هذا يخالف أسس المنطق والهندسة والفيزياء، أفلا يجب على كردستان، أن تنظر بعين "المساواة" إلى بغداد، وأن تمتنع عن القيام بما اعتبرته "جريمة" كافية لإزالة رئيس حكومة منتخبة فيها؟ ألا يفترض أن تعتبر على الأقل أن رئيس الحكومة المنتخب من الشعب العراقي بكليته، ومن ضمنه الشعب الكردي، مساوياً في صلاحياته لرئيس الحكومة المنتخب من الشعب الكردي وحده، حتى لو اعتبرت الشعب العربي في العراق صفراً؟ 

إذا كانت زيارة الجعفري قد أقلقت كردستان لأنها ترى إحتمال- مجرد احتمال، أنه كان ينوي عقد اتفاقات لا تروقها مع تركيا، فأن زيارة نيجرفان إلى تركيا هي مؤامرة صريحة على العراق، وليس مجرد أحتمال! فكردستان تعمل، ليس فقط على تهريب النفط بشكل سري من خلال تركيا وغيرها كما كشف الشهرستاني والمالكي وخبراء نفط عديدين عراقيين وأجانب، وإنما أيضاً تخطط وتنفذ بهمة وعلى المكشوف لبناء “تصدير” النفط، وليس من خلال الشاحنات، بل والأنابيب النفطية أيضاً، و "دون انتظار أي تسوية مع حكومة بغداد المركزية"، لأن الإقليم حسب وزير ثرواته المعدنية أشتي هورامي "لا يحتاج إلى أي ترخيص من بغداد للسماح له بانشاء البنى التحتية بما فيها ما يتعلق بقطاع النفط." (10)

وقبل أيام أعلنت شركة جينل انرجي أن البنية التحتية لتصدير نفط الإقليم بشكل مستقل قاربت على الانتهاء. (11) ويعتزم الإقليم حسب ما نقله برلماني كردستاني عن لسان رئيس حكومة الإقليم "تصدير ثلاثة ملايين برميل نفط خام يومياً بعد إنجاز أنبوب النفط من كردستان إلى تركيا"، بالرغم من إرادة بغداد. (12)

(12) قال قاسم مشختي عضو لجنة النفط والطاقة البرلمانية عن التحالف الكردستاني، لـ"أنباء موسكو": إن رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني صرح في زيارته الأخيرة إلى تركيا أن الإقليم يعتزم تصدير ثلاثة ملايين برميل نفط خام يومياً بعد إنجاز أنبوب النفط من كردستان إلى تركيا.

هذا إضافة إلى مشاريع الغاز(13) ومن مازال يجرؤ على قول الحقيقة بوجه كردستان وتهريبها ويطالبها بإيفاء التزاماتها وتقديم الوثائق، فهو كناطح صخرة، لا يهشم إلا رأسه! (14) وما هذا الذي ذكرناه هنا إلا غيض من فيض كما يعلم الجميع.

دعونا نراجع ما قاله الطالباني وصحافة وموقع الحكومة الكردستانية أعلاه، ونقرأه في ضوء ما استجد من أحداث في الحاضر. 

قبل كل شيء، كيف يلغي رئيس الدولة، إلتزام حكومة باتفاقات رئيس الحكومة ووفده، وكيف يعرف أنها خارج صلاحية حكومة تصريف الأعمال، وبدون حتى أن يطلع على تلك الإتفاقات؟ وكيف عرف مقدماً أنه سيوقع التزامات لن تكون الحكومة القادمة قادرة على الوفاء بها، حتى لو كانت "مذكرة تفاهم"؟ ولماذا لا يترك لرئيس تلك الحكومة القادمة أن يعترض على ذلك بنفسه؟ لماذا هذا الحماس لإفشال الزيارة مقدماً وقبل أن يفهم أي شيء من نتائجها؟ أليس الهدف إذن إسقاط الجعفري وأن الزيارة ليست سوى حجة؟

ولاحاجة لنا بذكر "المفاجآت السارة" لحكام كردستان ومدى حرصهم على "الوحدة الوطنية العراقية" من خلال التهديد بالإنفصال مرة، ومن خلال انتهاج سياسة نفطية عدوانية متحالفة مع شركات النفط الغربية ضد العراق! وإن كانت زيارة الجعفري لتركيا كانت مفاجئة غير متوقعة، لأنها غريبة على نهج بغداد، فليس هناك عربي واحد قد "فوجئ" بزيارة نيجرفان، رغم علمه بأنها جزء من مؤامرة خطيرة على بلاده، لأنه اعتاد تلك المؤامرات من كردستان. 

وإن كانت تلك "ظروف عصيبة يمر بها العراق بسبب تدهور الظروف الأمنية" في عام 2006، فليس هناك أشد من التدهور الحالي فيها، وإن كان الجعفري اجتمع "على عناد أخوانه" مع السيد اردوكان من دون علم الرئيس بزيارة غير معلنة (وهو أمر غير دقيق كما بينا) فأن نيجرفان يجتمع مع نفس الأردوكان على عناد وبالتآمر على مصالح كل الشعب العراقي خارج كردستان على الأقل، وبدون حتى التفكير بأن يطلع بغداد، أو أن تأمل بغداد بذلك، فهل يعني هذا بنفس منطق كردستان أنه يريد ان يقول " لنا ولهم ها انا البرزاني المتنفذ وصاحب النفوذ القوي في العراق، وكلامي هو قول الفصل."؟ هل ياترى أن الذي "يهتم بالآخرين" ويحترم "مشاورة بقية المسؤوليين العراقين في الدولة"، يوقع العقود لثروة البلاد المشتركة وهو يصرخ :"كلما قالت بغداد "غير قانوني" وقعنا عقدين إضافيين"؟ وهل تتجلى نوايا كردستان الحسنة، غير "القذرة"، في السيطرة على المزيد من الأراضي بقوة السلاح وتسميتها "المنزوعة من كردستان" وطرد فرق النفط العراقية بقوة السلاح الذي سرقته البيشمركة من الجيش العراقي كتعبير آخر عن تلك النوايا الحسنة، وتسليمها لشركات نفط غربية بعقود سرية تمنحها أربعة إلى خمسة أضعاف الأرباح المعتادة، ومن ضمنها شركات "تركيا من الشوفينيين والقوميين وأيتام الجبهة التورك ألمانية" كما يقولون؟ 

تقول كردستان "بأي حق قبل الوفد بتدخل تركيا في شؤون العراق الداخلية"، ويبدو أن إعطاء فيزة لوزير الخارجية التركي بدون علم بغداد، ومشاورة أردوكان ليس فقط في المشاكل العراقية الداخلية بل والتنسيق معه حول الثروة العراقية المشتركة و السياسة الخارجية لدعم الإرهاب في سوريا والذي يهدد العراق، ليس تدخلاً في شؤون العراق الداخلية، في عرف كردستان. ولا كذلك التنسيق مع "تركيا الشوفينية التي تحرم 20 مليون كردي من أبسط حقوقهم الثقافية" لإسكان مقاتلي حزب العمال الكردستاني في العراق، يعتبر سماحاً لها بالتدخل في شؤون العراق الداخلية! 

لا يقتصر "الحظر الكردستاني للزيارات" على على السابقين من رؤساء الحكومة العراقية، بل يمتد إلى يومنا هذا. وكلنا يذكر نتائج زيارة المالكي إلى روسيا لشراء الأسلحة وما اثارته كردستان من ثورة عليها، واعتبارها تآمر على كردستان ودكتاتورية وتكرار لافعال صدام حسين! لكن أن يزور مسعود البرزاني روسيا ويحاول الإتفاق معها على صفقة اسلحة ايضاً،امر لا عيب فيه كما يبدو، حتى إن صرخ بعض البرلمانيين بغير ذلك، وطالبوا الحكومة باتخاذ موقف! (15)

قالت حكومة كردستان في نهاية رسالتها اعلاه، أن زمن تقزيم الذات قد ولى عن كردستان، وكانت محقة في ذلك. ونضيف: لقد حل محله فيها زمن تغول الذات، أما تقزيم الذات فقد حط رحاله في بغداد التي صارت تبتلع اليوم كل ما تبصقه عليها كردستان، بصمت مهين، ولا يثور غضبها إلا على من بقي يتجرأ على أن يفتح فمه على هذا الحال، وهم نفر قليل. 

متى وفي اي مكان، يحق لرئيس إقليم ، أو لأي شخص في الدولة، صلاحيات تزيد عن صلاحيات أعلى منصب في الحكومة؟ الحالة الوحيدة المماثلة التي اعرفها في تاريخ العراق الحديث هي الصلاحيات الفعلية التي كانت للمندوب السامي البريطاني على العراق، والتي كانت تزيد (عملياً) عن تلك التي يتمتع بها رئيس الحكومة العراقية. كان الشعب عندها يشعر بالإهانة وأثار ذلك الشعور الكثير من الغضب والإحتجاج، واعتبر نفسه عملياً تحت الإحتلال البريطاني. هل علاقتنا بكردستان علاقة أخوة وشراكة، وعلاقة دولة بإقليم من أقاليمها، أم أن كل الدلائل تقول أننا من الناحية الفعلية تحت حكم احتلال كردستاني؟ فلماذا لم نعد نشعر بالإهانة، ولا نفتح فمنا باحتجاج؟ لماذا رفض شعبنا مذلة المندوب السامي لبريطانيا العظمى، ويخنع اليوم لمذلة المندوب السامي الكردستاني؟ وإلى اين يأخذنا هذا الطريق؟

(1) اردوغان يستقبل بارزاني ويبحثان الأوضاع الراهنة في المنطقة 

http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=26631

(2) الأكراد متوجسون من زيارة الجعفري الى تركيا

http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=166982

(3) الطالباني "فوجئ" بزيارة الجعفري لأنقرة: العراق غير ملزم بأي اتفاق يبرمه

http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=166629

(4) بين زيارة الاشيقر الجعفري الى تركيا وتدخل اردوغان في شؤون العراق

http://www.krg.org/a/d.aspx?a=9633&l=14&r=84&s=010000

(5) الجعفري يرفض اتهامات الطالباني

http://www.albainah.com/Index.aspx?function=Item&id=10018&lang=

(6) العبادي: أزلنا اللبس مع التحالف الكردستاني بشأن ترشيح الجعفري

http://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=19754

(7) طالباني ينتقد الجعفري علنا من جديد: تجاوز على القانون ولم يبلغنا بزيارته إلى تركيا

http://www.kurdistanabinxete.com/Rojnamen_iro/0306/Talibani_Cafericarek_dinrexnedike_020306.htm

(8) الجعفري يزور تركيا الأسبوع المقبل

http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=9532&article=298836 

(9) زيارة مفاجئة من "نيجيرفان بارزاني" إلى أنقرة 

http://turkeytoday.net/node/10787

(10)  قال وزير الموارد الطبيعية في حكومة إقليم كردستان العراق، أشتي هورامي، إن حكومة الإقليم مصممة على المضي قدما في مد خط أنبوب لنقل النفط باتجاه تركيا دون انتظار أي تسوية مع حكومة بغداد المركزية.

وقال هورامي في مقابلة خاصة مع بي بي سي إن الإقليم "لا يحتاج إلى أي ترخيص من بغداد للسماح له بانشاء البنى التحتية بما فيها ما يتعلق بقطاع النفط لأن الدستور يخول له هذه الصلاحيات."

 وأشار هورامي إلى أن حكومة كردستان كانت تفضل العمل والتنسيق مع الحكومة المركزية في مجال صناعة النفط لكن "انعدام الرغبة من الطرف الآخر في اتخاذ القرارات جعلها مهمة صعبة."

واعتبر أنه إذا "انتظرنا كل هذا الوقت ما كان بإمكاننا توقيع حتى عقد واحد من العقود الخمسين التي وقعتها حكومة الإقليم مع شركات أجنبية تعمل في الإقليم حتى الآن."

وأشار الوزير إلى أن الاستعدادات بلغت مرحلة متقدمة لإطلاق المشروع. (11)

هورامي: كردستان عازمة على مد خط نفط نحو تركيا

http://irq4all.com/ShowNews.php?id=78637

(11) اقليم كردستان العراق يقترب من امكانية تصدير النفط بشكل مستقل عن العراق

http://www.petra.gov.jo/Public_News/Nws_NewsDetails.aspx?Site_Id=2&lang=1&NewsID=119645&CatID=19&Type=Home&GType=1

كردستان تعتزم تصدير 3 ملايين برميل نفط يومياً وبغداد أميركا ترفضان 

http://anbamoscow.com/aworld_politics/20130328/381160172.html 

(13) In Kurdistan-Turkey deal, gas is key - Iraq Oil Report

http://www.iraqoilreport.com/energy/natural-gas/in-kurdistan-turkey-deal-gas-is-key-11099/

(14) قال الشهرستاني إن تصديرَ النفط من الاقليم يعد تهريبا وإن شركاتٍ أجنبية ً مثل إكسون موبيل وتوتال خرقت القوانينَ العراقية بتعاقدِها مع حكومةِ كردستان دون الحصول على موافقة ٍ من الحكومة المركزية مضيفا أن الاقليم َ لم يسلم حتى الان وارداتِ التصدير هذه لميزانيةِ الدولة التي من المفترض أن تاتي ضمن معدلِ تصدير ٍ لا يقل ُ عن 250 الف برميل يومياً

الشهرستاني : تصدير النفط من اقليم كردستان يعد تهريبا 

http://www.faceiraq.com/inews.php?id=1862233

(15) طالبت النائبة عن العراقية الحرة عالية نصيف الحكومة باتخاذ موقف من زيارة رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني الى روسيا. وقالت نصيف ان "على الحكومة المركزية  ان تتخذ موقفاً من هذه الزيارات، التي هي بدون علمها، والتي تضر بمصداقية وهيبة العراق، كما عليها ان تتخذ موقفا اذا ما ابرمت اتفاقات خلال مثل هذه الزيارات".

وبينت ان "الدستور حرم على المحافظات او الاقليم عقد اتفاقيات استراتيجية كإتفاقية التسليح، ويجب ان تمر جميع الاتفاقيات عن طريق الحكومة المركزية، واذا ما تم عقد مثل هذه الاتفاقات فانها تعتبر مخالفة للدستور والقانون وعلى الحكومة المركزية اتخاذ موقف منها".

نصيف تطالب الحكومة باتخاذ موقف من زيارة البارزاني الى روسيا "لاضرارها بهيبة العراق

http://www.alliraqnews.com/index.php?option=com_content&view=article&id=70237

3 آب 2013

 

Opinions