Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها / الحلقة الخامسة

22/19/2009
ممهدات الثورة
العوامل التي مهدت لثورة 14 تموز1958.
1 ـ تصدى الشعب العراقي لمعاهدة 1930.
2 ـ الشعب يعلن الإضراب العام في العراق .
3 ـ اندلاع ثورة العشائر في الفرات الأوسط عام 1935.
4 ـ تأثيرانقلاب الفريق بكر صدقي .
5 ـ تأثير مقتل الملك غازي .
6 ـ إعادة احتلال العراق عام 1941.
7 ـ مذبحة كاورباغي ضد عمال شركة النفط في كركوك .
8 ـ وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948.
9 ـ حرب فلسطين عام 1948 وتخاذل الحكام العرب
10 ـ وثبة تشرين المجيدة عام 1952 .
11 ـ بريطانيا والولايات المتحدة تفرضان حلف بغداد .
12 ـ بريطانيا والولايات المتحدة تفرضان حلف بغداد.
13 ـ تأثير قيام الوحدة بين مصر وسوريا .
14ـ الثورة الشعبية بلبنان وسعي حكومة العراق لقمعها .

العوامل التي مهدت لثورة 14 تموز 1958
لم تكن ثورة 14 تموز حدثاً آنياً على الإطلاق، بل كانت في الحقيقة نتيجة تراكم كمي هائل من التناقضات بين الحاكمين والمحكومين عبر أربعة عقود من الزمن امتدت منذُ الاحتلال البريطاني للعراق، إبان الحرب العالمية الأولى وحتى قيام ثورة 14 تموز 1958.
لقد خاض شعب العراق خلال هذه الحقبة الزمنية الطويلة صراعاً مريراً ضد الاحتلال البريطاني في بادئ الأمر، كما أسلفنا في الفصل الأول، وتجلى ذلك الصراع في ذروته بثورة العشرين، عندما حمل الشعب العراقي السلاح بوجه المحتلين، وأمتد لهيب الثورة ليشمل العراق كله، من أقصاه إلى أقصاه، وكلفت تلك الثورة المحتلين خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات أثقلت كاهل الاقتصاد البريطاني المتعب أصلاً بسبب التكاليف الباهظة للحرب العالمية الأولى، والتي كان لبريطانيا الدور الأساسي فيها.
وفي نهاية المطاف اضطرت بريطانيا إلى تغيير تكتيكاتها السياسية والعسكرية في العراق، ولجأت إلى تأليف حكومة محلية موالية لها وجاءت بالأمير فيصل ابن الحسين ملكاً على العراق، وجمعت حوله العديد من الضباط الشريفيين الذين خدموا في الجيش العثماني كان من أبرزهم [نوري السعيد] و[جعفر العسكري] و[علي جودت الأيوبي] و[ مولود مخلص ] و[ بكر صدقي ] و[ جميل المدفعي ] و [مولود مخلص] العديد من الضباط الآخرين .
كما جمعت بريطانيا العديد من شيوخ العشائر حول النظام الجديد وملّكتهم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ومنحتهم سلطة واسعة على الفلاحين، وضمتهم إلى المجالس النيابية، ومجالس الأعيان، وبذلك خلقت بريطانيا طبقة حاكمة تعمل لخدمة مصالحها، وتخوض الصراع مع الشعب نيابة عنها، وكانت باكورة تلك الخدمات التي قدمتها الطبقة الحاكمة الجديدة للإمبريالية البريطانية إقرار معاهدة عام 1922 التي أعطت لبريطانيا الهيمنة الكاملة على مقدرات العراق العسكرية والسياسية والاقتصادية، وجعلت من العراق واحة بريطانية .
وهكذا انتقل الصراع المباشر بين الشعب العراقي والإمبريالية البريطانية إلى صراع مباشر مع السلطة الحاكمة السائرة بركابها، وخاض الشعب العراقي المعارك المتواصلة مع تلك السلطة، ودفع ثمناً باهظا من دماء أبنائه البررة، من أجل تحقيق طموحه في الحرية والاستقلال، ومن أجل حياة كريمة لأبنائه، وتوجيه موارد البلاد لتحقيق مستوى معيشي لائق بدل توجيهها لخدمة المخططات الإمبريالية، ولقد تجلت تلك المعارك، وذلك الصراع خلال أربعة عقود من الزمن في الأحداث التالية:

1 ـ تصدى الشعب العراقي لمعاهدة 1930:
بعد أن تقرر إدخال العراق عصبة الأمم ، وإنهاء الانتداب البريطاني على العراق، بات ملزماً للحكومة العراقية عقد معاهدة جديدة مع بريطانيا، وعليه فقد بادر نوري السعيد إلى بدء المفاوضات العراقية البريطانية في 31 آذار 1930، وقد ترأس الوفد البريطاني المندوب السامي السير [هيمفريز]، وضم الوفد مساعده [الميجر يونك ] و[المستر ستاجر]، فيما كان الوفد العراقي برئاسة [الملك فيصل ]، وعضوية [نوري السعيد ] و [جعفر العسكري ] و[ رستم حيدر] وقد لعب الملك دوراً بارزاً في المفاوضات، وكانت الحكومة تصدر كل يوم بياناً مقتضباً حول مجرى المفاوضات، دون الدخول في التفاصيل، حتى جاء يوم 8 نيسان 1930 حين صدر بيان عن الحكومة يقول لقد تم الاتفاق بين المتفاوضين على ما يلي :
أ ـ إن المعاهدة التي تجري المذاكرة حولها الآن ستدخل حيز التنفيذ عند
دخول العراق في عصبة الأمم .
ب ـ إن وضع العراق كما هو مصرح في المعاهدة سيكون وضع دولة مستقلة حرة.
ج ـ عند دخول المعاهدة الجديدة حيز العمل ستنتهي حالاً جميع المعاهدات والاتفاقات الموجودة ما بين العراق وبريطانيا العظمى، والانتداب الذي تولاه صاحب الجلالة البريطانية سينتهي بطبيعة الحال.
لقد لعب نوري السعيد دوراً أساسياً في عقد المعاهدة الجديدة بالنظر للثقة الكبيرة التي أولاها البريطانيون له، والاطمئنان إليه، وكذلك ثقة الملك فيصل.
كان الشعب العراقي يدرك أن المفاوضات لن تطول، وهذا ما كان، فقد أعلن بيان رسمي للحكومة في 30 حزيران 1930 عن توقيع معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى تنفذ حال قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وأن المعاهدة ستنشر في بغداد ولندن في وقت واحد يتفق عليه الطرفان.
بعد أن أتمت الحكومة عقد المعاهدة مع بريطانيا أصبحت أمامها مهمة تصديقها من قبل مجلس النواب، وبالنظر لأن نوري السعيد لم يكن يستطيع ضمان الأغلبية في المجلس القائم آنذاك، فقد أقدم على تعطيل جلسات المجلس، ثم طلب من الملك إصدار الإرادة الملكية بحله، على الرغم أنه لم يمضِ على انتخابه سوى خمسة أشهر، وإجراء انتخابات جديدة يستطيع من خلالها نوري السعيد تحقيق أغلبية في المجلس الجديد، وتم له ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحله تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.
أما نوري السعيد فقد غادر إلى لندن لاستكمال المحادثات حول الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وحول تعديل اتفاقية امتياز النفط .
وفي 18 تموز سلم ملاحظ المطبوعات نص المعاهدة الموقعة بالأحرف الأولى إلى الصحفيين، وتم نشرها في اليوم التالي 19 تموز.
أحدث نشرها هيجاناً وغلياناً شعبياً عارماً، وأخذت برقيات الاحتجاج تنهال على الحكومة والصحافة، منددة بنوري السعيد، وبالمعاهدة، وبالإمبريالية البريطانية.
قد جاءت المعاهدة دون إجراء أي تغير جوهري يمس الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق بل لتكريس هذه الهيمنة لسنين طويلة وتقييد العراق بقيود جديدة .
وقد أدان الكثير من السياسيين من الفئة الحاكمة نفسها هذه المعاهدة، وأعلنوا رفضهم لها، وكان في مقدمة هؤلاء كل من السادة[ جعفر أبو التمن] و[ كامل الجاد رجي ] و[رشيد عالي الكيلاني] و[ياسين الهاشمي ] و[ حكمت سليمان ] و [محمد رضا الشبيبي] وعبد العزيز القصاب ] و [حمدي الباجه جي ] و [يوسف غنيمة ]. (1)
لكن المؤسف أن كل أولئك الساسة، ما عدا الأستاذ كامل الجادرجي، قد تنكروا لأقوالهم، واشتركوا في الوزارات التالية، ونفذوا بنود المعاهدة وبلعوا تعليقاتهم حولها.
لكن أكثر الشخصيات الوطنية عنفاً في مقاومة المعاهدة، كان القائد الوطني البارز[جعفر أبو التمن] زعيم الحزب الوطني، الذي بعث بمذكرة باسم الحزب إلى كل من ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيران وتركيا وإلى عصبة الأمم، في 1 تشرين الأول 1930، أدان فيها أسلوب تأليف حكومة نوري السعيد، والأساليب غير الدستورية التي أقدم عليها، بتأجيل جلسات المجلس النيابي ومن ثم حله، دون أن يمض عليه خمسة أشهر، وقيامه بتعطيل أكثر من 20 صحيفة سياسية، وإحالة عدد من المحررين الصحفيين إلى المحاكم، ومنع الحكومة للاجتماعات العامة، وكمّ أفواه الشعب، وعقد معاهدة جائرة يرفضها الشعب لأنها تصب في خدمة الأغراض الاستعمارية البريطانية، وإجراء انتخابات مزورة، لفرض المعاهدة التي رفضها الشعب وقواه الوطنية، وإن الحزب الوطني الذي أيدت سياسته أكثرية الشعب يعتبر هذه المعاهدة ملغاة وباطلة}.
كما أحتج عدد من الشخصيات السياسية الكردية على المعاهدة، وأبرقوا إلى سكرتارية عصبة الأمم عدة برقيات في 20 و26 تموز تستنكر عقد المعاهدة، وقال عدد من أعضاء اللجنة الدائمة للانتدابات في عصبة الأمم:
{ إن قبول العراق لهذه المعاهدة سيجعله بعد تحرره من الانتداب تحت الحماية البريطانية} .
كما أن [ المسيو بار] العضو الفرنسي في اللجنة المذكورة قال:
{ أنا شخصياً لا أحب أن أرى بلادي تدخل في مثل هذا التعهد الذي قبله العراق على نفسه}. (2)
وهكذا أثبت نوري السعيد أنه أكثر إنكليزية من الإنكليز، وانه رجل الإمبريالية البريطانية دون منازع، وهذا ما أهله لكي يكون العمود الفقري الذي تستند عليه السياسة البريطانية في العراق، ومكنته من أن يشكل 14 وزارة في الفترة الممتدة من منتصف حزيران 1930 وحتى سقوط النظام الملكي حين قامت ثورة 14 تموز 1958، وبذلك ضرب الرقم القياسي في تشكيل الوزارات في العالم اجمع.
وبعد أن حلت الحكومة مجلس النواب ، أعلنت عن إجراء انتخابات جديدة في 10 تموز 1930، وبدأت الحملة الانتخابية، وشرعت القوى الوطنية تهيئ نفسها لخوضها من أجل إسقاط المعاهدة، ولكن الحكومة أخذت تمارس الضغوط والتزوير والتهديدات لصالح مرشحيها، مما دفع بالقائد الوطني [جعفر أبو التمن ] إلى إصدار بيان بمقاطعة الانتخابات بعد أن أدرك أن نوري السعيد سوف يأتي بالمجلس الذي يريده هو لا الشعب.
وبالفعل فقد جرت الانتخابات في 20 تشرين الأول 1930 في جو مشحون بالإرهاب، فقد استلم نوري السعيد بنفسه وزارة الداخلية وكالة يوم 10 تشرين الأول لكي يشرف بنفسه على الانتخابات، ويمارس ضغوطه وإرهابه، وأساليبه القمعية لإجبار المنتخبين الثانويين على انتخاب مرشحي الحكومة، كما أجرى قبل الانتخابات تنقلات واسعة بين عدد من الحكام الإداريين، وكبار الموظفين الإداريين، ولاسيما بعد أن رشح العديد من الشخصيات المعارضة للانتخابات، وأخذت تزاحم مرشحي الحكومة.
لكن نوري السعيد استطاع أن يخرج بمجلس جديد له فيه 70 مقعداً من أصل88، وبذلك ضمن لنفسه إمكانية تصديق المعاهدة التي وقعها بالأحرف الأولى.
وقبل أن يعرض نوري السعيد معاهدته المشؤومة على مجلس النواب لجأ إلى تأليف حزب سياسي له ضم العناصر التي رشحها في الانتخابات لتكون سنداً له في تصديق المعاهدة فكان [حزب العهد] .
وفي 4 تشرين الأول 1930 أتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على المعاهدة، وتم دعوة مجلس النواب إلى الاجتماع في 16 تشرين الأول، واتخذ نوري السعيد احتياطات أمنية واسعة النطاق حول بناية المجلس.
وفي اليوم المقرر لمناقشة المعاهدة من قبل مجلس النواب، تقدم نوري السعيد إلى المجلس بالاقتراح التالي:
{ لما كانت نصوص المعاهدة مع بريطانيا المنعقدة في 30 حزيران 1930 قد نشرت للرأي العام منذ مدة طويلة، وكانت انتخابات مجلس النواب قد جرت على أساس استفتاء الشعب فيها اقترح على المجلس الموقر أن يوافق على المذاكرة فيها بصورة مستعجلة } .
وقد تمت الموافقة على الاقتراح من قبل رئيس المجلس، و تم طرح المعاهدة، بعد نقاش للمعارضة دام 4 ساعات للتصويت عليها، وقد صوت إلى جانب المعاهدة 69 عضواً ضد 13، وتغيب 5 أعضاء عن الحضور، وسط هياج وصياح المعارضة المنددة بالمعاهدة.
لم يبق أي عائق أمام نوري السعيد لتصديق المعاهدة، فالملك فيصل كان يرأس الوفد المفاوض أثناء عقد المعاهدة، ومجلس الأعيان يعيّنه الملك، ويعمل بأمره.
أما المعارضة فقد أبرق أقطابها المعروفين السادة جعفر أبو التمن، وناجي السويدي وياسين الهاشمي، إلى سكرتارية عصبة الأمم، يحتجون على بنود المعاهدة التي لا تضمن للعراق استقلالاً حقيقياً، وتفسح المجال لبريطانيا باستغلال البلاد حسب ما تقتضيه أغراضها الاستعمارية .

2 ـ الإضراب العام في العراق احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية
نتيجة ً لتدهور الأوضاع المعشية للشعب، وإهمال الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم لمعالجة الوضع، وإمعانها في تحميل المواطنين أعباءً ضرائبية جديدة بين حين وآخر، وكان آخرها فرض الحكومة ضريبة البلديات على الرغم من الوضع المعيشي الصعب، في 5 تموز 1931، مما دفع الشعب على أثره إلى إعلان الإضراب العام في البلاد احتجاجاً على القانون المذكور، وقد عم الإضراب أنحاء العراق كافة، وتعطلت كافة المرافق الاقتصادية في البلاد، أقفلت كافة المحال التجارية والمطاعم والمخابز والصيدليات وأسواق الفواكه والخضر ووسائط النقل، وبذلك أصيبت البلاد بالشلل التام، وشكل الإضراب اكبر تحدي للحكومة، ولاسيما بعد أن قامت المظاهرات الصاخبة، وتصدي السلطة لها، ووقوع المصادمات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة، واضطرار السلطة بعد هزيمة الشرطة، إلى استدعاء الجيش لقمع المظاهرات الشعبية، وكسر الإضراب.
كما استنجدت الحكومة بالقوات البريطانية المتواجدة في ميناء البصرة وسفنها الحربية الراسية هناك لقمع الإضراب في المدينة. (3)

3 ـ اندلاع ثورة العشائر في الفرات الأوسط عام 1935:

بسبب تردي الأحوال المعيشية وتلكؤ الحكومات المتعاقبة عن تنفيذ الإصلاحات التي كانت تعد بها، اندلعت ثورات العشائر ضد الحكومة وكانت ثورة الرميثة، وثورة سوق الشيوخ على درجة كبيرة من السعة جعلت الحكومة تلجأ إلى استخدام الجيش لإخمادها، حيث وقعت مصادمات عنيفة بين الثوار والجيش، ووقوع أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وانتهى الصِدام بسيطرة الجيش على الأوضاع من جديد، أصدرت الحكومة على الفور مرسوم الإدارة العرفية في 14 أيار1935 واتبعته بمراسيم أخرى استهدفت إفراغ الدستور من الحقوق والحريات العامة التي نصَ عليها منها، مرسوم منع الدعايات المضرة، ومرسوم الطوارئ، ومرسوم مكافحة الأفكار الهدامة!، ومرسوم انضباط الموظفين، وغيرها من المراسيم الأخرى المخالفة للدستور، مما خلق استياءً شديداً لدى أبناء الشعب من السياسات التي تتبعها السلطة الحاكمة.(4)

4 ـ تأثيرانقلاب الفريق بكر صدقي:
يعتبر انقلاب الفريق بكر صدقي فاتحة لوقوع الانقلابات في العراق، باستخدام الجيش وسيلة لإجراء التغييرات في السلطة، وبالفعل فقد سخر نوري السعيد قادة الجيش العقداء الأربعة [صلاح الدين الصباغ ] و[ فهمي سعيد ] و[ محمود سلمان ] و[كامل شبيب ] للقيام بانقلاب على حكومة جميل المدفعي وإسقاطها في 24 كانون الأول 1938، واضطر الملك غازي إلى تكليف نوري السعيد بتأليف الوزارة.
كما استطاع رشيد عالي الكيلاني استخدام قادة الجيش المذكورين في الانقلاب ضد حكومة طه الهاشمي في 1 أيار 1941. وهكذا فقد كان استخدام الجيش أمراً مشجعا لتشكيل تنظيمات ثورية داخله كما سنرى فيما بعد. (5)
وقع الإنقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي في 29 تشرين الأول 1936 ، وأدى إلى إسقاط وزارة ياسين الهاشمي، وفرض حكومة جديدة على الملك غازي، برئاسة حكمت سليمان، وضمت تلك الوزارة أغلبية من الإصلاحيين، كان من بينهم القائد الوطني البارز [جعفر أبو التمن] و السيد [كامل الجادرجي] .
لقد أدى الانقلاب إلى مقتل [ جعفر العسكري ] وزير الدفاع وصهر نوري السعيد، وهروب السعيد وشلته إلى خارج العراق، بعد لجوئه إلى السفارة البريطانية التي قامت بدورها بتهريبهم . (6)
لقي انقلاب بكر صدقي إسناداً ودعماً كبيرين من قبل الشعب وقواه الوطنية بما فيها الحزب الشيوعي، لكن بكر صدقي الذي أراد أن يحكم البلاد من وراء الستار سرعان ما أصطدم مع رفاقه الإصلاحيين، وأدى ذلك إلى خروج الإصلاحيين من الوزارة، وإصابة الشعب وقواه الوطنية بخيبة أمل كبيرة بسبب التغير الحاصل في توجهات بكر صدقي مما أدى إلى انعزال حركته عن الشعب، وسهل بالتالي عملية اغتياله في بهو القاعدة الجوية بالموصل حينما كان في طريقه على تركيا بدعوة من حكومتها في 9 آب 1937، وعودة نوري السعيد وأتباعه من جديد إلى الحكم من جديد، ليقوم بتصفية حساباته مع الانقلابيين ومن ساندهم، والتنكيل بالقوى السياسية الوطنية. (7)
5 ـ تأثير مقتل الملك غازي
أثار مقتل الملك غازي في ظروف غامضة حالة من الغليان والغضب الشديدين لدى أبناء الشعب الذي لم يصدق البيان الذي أصدرته الحكومة عن كون الحدث جاء قضاءً وقدراً، وقد أشارت أصابع الاتهام إلى نوري السعيد وعبد الإله بتدبير مقتله، بتخطيط من قبل السفارة البريطانية آنذاك، وقد أدى مقتل الملك إلى عاصفة من المظاهرات الصاخبة المنددة ببريطانيا وصنائعها، وعلى رأسهم نوري السعيد وعبد الإله، ووقعت أحداث دامية في بغداد والموصل والسليمانية وغيرها من المدن العراقية، أدت إلى مقتل القنصل البريطاني في الموصل، وإعلان الأحكام العرفية وسوق العديد من المواطنين إلى المجالس العرفية. (8)

6 ـ إعادة احتلال العراق عام 1941
لم يكن رشيد عالي الكيلاني سوى أحد رجال النظام الملكي الذين اعتمد عليهم الملك فيصل الأول عندما أقدمت بريطانيا على تأسيس ما سمي بالحكم الوطني، فهو واحد من الطبقة الحاكمة التي تولت المناصب العليا في الدولة فكان وزيراً، ورئيساً للوزراء، ورئيساً للديوان الملكي، فهو أحد أركان السلطة الحاكمة آنذاك.
كان الكيلاني عاشقاً للسلطة، واستخدم نفوذه بين العشائر مراراً وتكراراً من أجل الوصول إلى الحكم، ولم تكن الحركة الانقلابية التي قادها الكيلاني بالتعاون مع قادة الجيش العقداء الأربعة كل من [ صلاح الدين الصباغ] و[محمود سلمان] و [فهمي سعيد] و[ كامل شبيب] بدافع تحرير العراق من الهيمنة الأجنبية، وهو الذي سعى لإبدال الاستعمار البريطاني بالاستعمار الألماني، بل كان جُل همه الاستئثار بحكم العراق، ومن أجل تحقيق أهدافه تلك استغل الشعور الوطني لدى ضباط وجنود الجيش العراقي، والجماهير العراقية، للتخلص من الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق.
وجاء رد الفعل البريطاني على توجهات الكيلاني سريعاً بإنزال القوات البريطانية في البصرة وزحفها نحو بغداد، وقد زُج الجيش العراقي في حرب غير متكافئة ضد القوات البريطانية حيث كان ضعيفاً، ويفتقد السلاح والعتاد تجاه القوات البريطانية التي كانت تمثل أقوى جيوش العالم آنذاك، ودفع الجيش العراقي ثمناً باهظا من أرواح جنوده وضباطه. (9)
وهكذا تم إسقاط حكومة الكيلاني الذي هرب إلى ألمانيا، كما هرب قادة الجيش إلى إيران وتركيا، وتم إلقاء القبض عليهم من قبل القوات البريطانية وجرت محاكمتهم، والحكم بإعدامهم، وتنفيذ الحكم فيهم .
كما أقدمت بريطانيا على تسريح ثلاثة أرباع الجيش العراقي الذي كان تعداده44217 ضابطاً وجندياً ليصبح تعداده 12000 فقط . (10)
خلق الاحتلال البريطاني الجديد، وتسريح ثلاثة أرباع الجيش استياءً شديداً لدى أبناء القوات المسلحة، ودفع ضباط الجيش إلى التفكير في الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتحرير العراق من الهيمنة البريطانية من جهة، وكرد فعل على سياسة الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الإمبريالية من جهة أخرى، والتي خلقت استياءً عاماً لدى الشعب، وعززت من تصميمه على طرد المحتلين ، وخاصة بعد أن أعاد البريطانيون عبد الإله ونوري السعيد ورهطه إلى الحكم من جديد وقيامهم بحملة تنكيل واسعة بكل العناصر التي ساعدت وساندت وأيدت حركة الكيلاني، وزجت بهم في غياهب السجون، وإقدام الحكومة على إعدام العقداء الأربعة صلاح الدين الصباغ، وحكمت شبيب ومحمود سلمان وفهمي سعيد، بالإضافة إلى يونس السبعاوي وزير الاقتصاد في حكومة الكيلاني .(11)

7 ـ مذبحة كاورباغي ضد عمال شركة النفط في كركوك:
وقعت المذبحة على أثر إضراب عمال شركة نفط كركوك في عهد وزارة أرشد العمري، في 7 تموز1947، مطالبين بتحقيق عدد من المطالب المتعلقة بأمورهم المعشية، وتصدي قوات الشرطة للمضربين المتجمعين في حدائق كاورباغي، وإطلاق الرصاص عليهم دون أي مبرر، وقد أدت إلى استشهاد 16عاملا، وجرح العشرات الآخرين واندلاع موجة عارمة من المظاهرات والاحتجاجات الشعبية ضد حكومة العمري، وامتداد تلك التظاهرات إلى بغداد.
لقد تبين من تقرير اللجنة التحقيقية التي أرسلتها وزارة العدل أن قوات الحكومة تعمدت إطلاق الرصاص على المضربين من الخلف، دون أي مبرر، فلم يكن في نية المضربين التصدي الشرطة، وإنما أرادوا تحقيق العديد من المطالب الخاصة بأوضاعهم المعيشية المتردية وتحسين وضعهم المعيشي، وهكذا جاءت هذه المجزرة الرهيبة لتضيف أسباباً جديدة لاشتداد التناقض بين الشعب وحاكميه.(12)

8 ـ وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948:
جاءت الوثبة كرد فعل على محاولة حكومة [صالح جبر ـ نوري السعيد] فرض معاهدة بورتسموث ا لبريطانية على العراق، نظرا لقرب انتهاء أمد معاهدة 1930، واستباق بريطانيا الأمر لإقرار المعاهدة الجديدة، تكريساً
ً لهيمنتها على العراق، واستننزاف ثرواته النفطية .
وفي حقيقة الأمر، وإن كان السبب المباشر الذي أشعل شرارة الوثبة هو محاولة فرض المعاهدة، إلا أن تراكماً كمياً هائلا من السخط الشعبي العارم على السلطة، وموقف الحكومة والعرش من القضية الفلسطينية والانغمار في المخططات الإمبريالية التي استهدفت شعب فلسطين، وإقامة دولة إسرائيل، كل ذلك جعل السخط الشعبي العارم على السلطة ينفجر بعنف شديد، حيث اجتاحت المظاهرات الشعبية مدن العراق كافة، وجرى التصدي لتلك المظاهرات من قبل الأجهزة القمعية للسلطة، وسُفكت دماء طاهرة للمئات من أبناء الشعب الذي صمم على مواصلة الكفاح مهما كانت التضحيات.
واستطاع الشعب هزم قوات الحكومة، وإسقاط الوزارة، وإلغاء المعاهدة التي وقعها صالح جبر، ونوري السعيد بالأحرف الأولى في ميناء بورتسموث البريطاني، وهرب صالح جبر ونوري السعيد للنجاة بجلدهما من غضب الشعب العارم، واضطر الوصي عبد الإله بغية امتصاص الغضب الشعبي العارم إلى تكليف الشيخ محمد الصدر، رئيس مجلس الأعيان، وأحد قادة ثورة العشرين، بتأليف الوزارة الجديدة .

وفي محاولة لتهدئة الأوضاع، أقدم الصدر على إطلاق سراح المعتقلين وأعلن رفض الحكومة للمعاهدة، كما أعلن عن النية في إجراء تحقيق مع المسؤولين عن إطلاق النار على أبناء الشعب، وحل المجلس النيابي تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة، وأعلن عن احترام الحكومة للحريات الدستورية، وفسح المجال لممارسة الأحزاب السياسية لممارسة نشاطها، وإطلاق حرية الصحافة، والعمل على تأمين الحاجات الضرورية للشعب، والغذائية منها بشكل خاص.
لعب الحزب الشيوعي دوراً رئيسياً في تلك الوثبة الكبرى، إلى جانب الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال القومي، لكن حزب الاستقلال سرعان ما تخلى عن ساحة النضال، بعد أن وجد مدى تزايد تأثير الحزب الشيوعي في تلك الأحداث، وطلب من العناصر القومية الكف عن التظاهر والانسحاب، وأدى هذا الموقف إلى عدم تمكين الوثبة من تحقيق كامل أهدافها، وقد تبين فيما بعد أن هذه الحكومة إنما جاءت لتهدئة الأوضاع ، وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة، وعودة نوري السعيد وأركان حكمه من جديد. (13)


التوثيق

(1) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ الجزء الثالث ـ ص 50 ز
(2) المصدر السابق ـ ص 75 .
(3) في غمرة النضال ـ سليمان الفياض ـ ص 178 .
(4) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 261 ز
(5) فرسان العروبة ـ صلاح الدين الصباغ ـ ص 68 ـ 71.
(6) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 271 .
(7) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ الجزء الرابع ـ ص 209 .
(8) نفس المصدر السابق ـ الجزء الخامس ـ ص 78 .
(9) مذكرات طه الهاشمي ـ ص 241 ز
(10) الحرب العراقية البريطانية ـ محمود الدرة ـ ص 243 .
(11) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 394 .
(12) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ الجزء السابع ـ ص 116 .
(13) صفحات من تاريخ العراق الحديث ـ حامد الحمداني ـ الكتاب الأول ـ ص 316 .

للحصول على نسخة من هذا الكتاب يرجى الاتصال بالمؤلف على العنوان التالي:
ِAlhamdany34@gmail.com
www,Hamid-Alhamdany.com

Opinions