Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

على أمريكا إما أن تحتل سوريا أو تتركها لحالها


"لا تترك عدوك جريحاً، فإما أن تقتله أو تصادقه" - مكيافيلي


كثير من الناس، وأنا منهم،  يتوسمون بالرئيس الأمريكي باراك أوباما سلامة السريرة والنوايا، وأنه رجل مسالم ومتعقل يحب أن يعم السلام ربوع العالم. وعلى هذا الأساس مُنِح أوباما جائزة نوبل للسلام خلال الأشهر الأولى من ولايته الأولى وحتى دون أن تنتظر لجنة نوبل للتأكد من سياساته اللاحقة، وقيل في وقته أن اللجنة منحته الجائزة كمحفز لدفعه إلى السلام. ولذلك أرى أن التحول المفاجئ في موقف أوباما من سوريا وحماسه الظاهري للضربة الخاطفة بتوريط أمريكا مرة أخرى في حروب لا يعرف كيف يخرج منها، ناتج عن ضغوط من التيار المتشدد في الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، ومختلف اللوبيات، وخاصة اللوبي الإسرائيلي، فهؤلاء هم الذين يحكمون من وراء الكواليس، و أوباما يعرف أنه إذا لم ينفذ ما يطلب منه، فسيكون مصيره كمصير الرئيس جون كندي، سيقتل، ويقتل القاتل مباشرة لإخفاء معالم الجريمة.


على أغلب الاحتمال، ستقوم أمريكا لوحدها بالضربة وحتى بدون موافقة الأمم المتحدة. إذ يبدو أن معظم حلفاء أمريكا في الناتو غير راغبين في المشاركة، لذلك راحوا يبحثون عن مخرج من هذا المأزق مع حفظ ماء الوجه كما خرجت بريطانيا بعد رفض البرلمان، وكذلك فرنسا بدأت تمهد لتبني النهج البريطاني، حيث صرح وزير خارجيتها لوران فابيوس "إنّ التقرير المتوقع من مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة حول الهجوم الكيماوي بسوريا سيكون مخيبا.." لأنه "لم يطلب من المفتشين التوصل لهوية منفذ الهجوم، وهذا هو السؤال الحاسم." منوِّهاً إلى أنه من المحتمل استشارة البرلمان قبل اتخاذ القرار.


وحتى لو صوتت غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي لصالح القرار الأمريكي، فمن المؤكد أن روسيا والصين ستستخدمان حق النقض (الفيتو)، وبذلك تكون الضربة الأمريكية غير شرعية، وربما سيتخذ أوباما هذه الحجة ذريعة للخروج من المأزق. فجميع الاحتمالات مفتوحة، وربما ستحصل الضربة كما يطالب بها التيار المتشدد في الإدارة الأمريكية ويمهد لها الإعلام الغربي.


ما الغرض من الضربة الأمريكية؟ وتحت أي غطاء؟


الغطاء هو اتهام نظام بشار الأسد باستخدامه السلاح الكيمياوي المحرم دولياً ضد شعبه، ولذلك يطالب أوباما المجتمع الدولي بالقيام بواجبه الأخلاقي ضد هذه الجريمة المنكرة  دفاعاً عن حقوق الإنسان في سوريا و أنه يريد إنقاذ الشعب السوري من قسوة دكتاورية متوحشة، وأن الضربة هي رسالة ردع لجميع المستبدين في العالم بأن المجتمع الدولي لن يسكت عن جرائمهم ضد الإنسانية.


وليكسب أوباما الرأي العام العالمي، وخاصة الشعب السوري، والجانب الأخلاقي للضربة العسكرية، يعيد القول بأنها ستكون ضربة محدودة، وخاطفة ودون احتلال الأرض أو إسقاط النظام، وأن الغرض منها تأديب بشار الأسد، وإضعاف قواته المسلحة لتغيير موازين القوى لصالح قوات المعارضة، وبالتالي لكي يسهل على الأخيرة إسقاط حكم البعث.


لا شك أن الأغراض المعلنة من الضربة هي مجرد واجهة إعلامية لتضليل الرأي العام، أما الأغراض الحقيقية والنتائج فستكون على العكس تماماً، أي إلحاق أشد الأضرار بالشعب السوري، ولصالح إسرائيل والسعودية... وهناك أخبار تفيد أن السعودية عرضت على أمريكا ستين مليار دولار مقابل شن الهجوم على سوريا.


خطة أوباما لسوريا هي تكرار لخطة كلينتون مع صدام


إذا كان الغرض من خطة ضرب سوريا هو إسقاط النظام وحماية الشعب السوري من شروره، فهي خطة فاشلة من الآن، لأن لدينا تجربة مشابهة للخطة الأمريكية الحالية للتعامل مع سوريا، وهي خطة إدارة الرئيس الأسبق بِل كلينتون مع نظام صدام حسين، باسم "ضربة ثعلب الصحراء" المحدودة والمكثفة جدا لمواقع عراقية عام 1998... حيث كانت القوات الأمريكية تقصف بغداد ومناطق أخرى، نتج عنها تدمير المنشئات الاقتصادية وغيرها، وألحقت المزيد من الكوارث بالشعب العراقي، ودون أن تضعف النظام. وهاهو أوباما يريد تكرار خطة كلينتون مع بشار والتي أثبتت فشلها مع صدام. لذلك كانت خطة الرئيس جورج دبليو بوش في إسقاط النظام الصدامي عن طريق الاحتلال أفضل بكثير من الضربات الصاروخية عن بعد وتدمير البلاد والعباد مع إبقاء النظام.


بالتأكيد يختلف كثيرون معي في الدعوة للاحتلال بدلاً من تدمير القوات العسكرية السورية، والسبب هو ما رافق التجربة العراقية من كوارث الإرهاب المنفلت بعد التحرير، والذي شنته فلول البعث وبهائم القاعدة، وعصابات الجريمة المنظمة، والاقتتال الطائفي...الخ، وأنكروا جميع محاسن هذه التجربة وفوائدها، واتخذوا منها بعبعاً لردع أية عملية مشابهة ومهما كانت الحاجة ماسة إليها، ولم يسألوا أنفسهم ماذا كان سيحصل للعراق لو لم يتم إسقاط البعث بالغزو الأمريكي؟ وإذا ما سُئِلوا، فيجيبون كما يتمنون وليس كما كان عليه الواقع.


هل حقاً فشلت التجربة العراقية؟


إن الذين شوهوا سمعة التجربة العراقية فريقان: الأول، هم أعداء التغيير والديمقراطية من داخل العراق، مثل فلول البعث وأعوانهم الذين أدمنوا على احتكار السلطة لطائفة معينة، تدعمهم جهات خارجية من حكومات ومؤسسات إعلامية وتنظيمات إرهابية، لا حباً بالبعث، بل كرهاً للديمقراطية ولأسباب طائفية وعنصرية واقتصادية لا يريدون للعراق أن ينهض.


الفريق الثاني، هم من أصحاب النوايا الحسنة الذين عارضوا حكم البعث الصدامي وكانوا من ضحاياه، وعانوا من ويلاته، ولكنهم كانوا يتصورون أنه بمجرد إسقاط حكم البعث سيتحول العراق بين عشية وضحاها إلى سويسرا... وهذا ما يسمى بالتوقعات غير الواقعية (high expectations)، وهي ظاهرة خطيرة تؤدي إلى الإحباط. 


مشكلة هؤلاء الناس الطيبين أنهم لم يدركوا حجم الخراب الذي ألحقه حكم البعث بالمجتمع العراقي، وجبروت صدام وطغيانه وجنونه، واستعداده لإبادة الشعب في سبيل البقاء في الحكم، وصعوبة إسقاط حكم دكتاتوري همجي وحش، حكم العراق 35 سنة بالقبضة الحديدية، عانى شعبه خلالها من الحروب الداخلية والخارجية والحصار، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والردة الحضارية وما رافق ذلك من احتقانات طائفية وعنصرية وعداء وأحقاد بين مكونات الشعب الواحد وفق مبدأ (فرق تسد)، ظهرت نتائجها بعد سقوط النظام، أشبه بالخرّاج الذي بمجرد أن لامسه مشرط الجراح راح القيح يتدفق مدراراً بروائحه العفنة. وبدلاً من دراسة هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها الحقيقية، راحوا يلومون الأمريكان والديمقراطية "المزيفة" وشخصنة المشاكل وإلقائها على عاتق من تضعه الأقدار في موقع المسؤولية العليا، ناسين أن إسقاط هكذا حكم وحشي لم يكن سهلاُ كما كان يحصل في الانقلابات العسكرية في العراق قبل 2003، ولا بد وأن ترافق إسقاط هكذا حكم مشاكل كثيرة وكبيرة. يقول المثل الإنكليزي: (After the event everybody is clever) أي بعد فوات الأوان كل واحد يدعي الذكاء.


ينكر هؤلاء أن المشاكل والتضحيات ومهما بلغت، فهي أقل بكثير مما لو ترك النظام يواصل سياسته الاجرامية بحق الشعب في نشر السجون والمقابر الجماعية وتشريد الملايين إلى الشتات حيث صار الألوف منهم طعاماً للأسماك.


كما ويعتقد آخرون أنه لو تُرِك صدام لاستطاع الشعب إسقاطه دون الحاجة إلى الاحتلال الأمريكي وما رافقه من اقتتال طائفي، ولأن حكمه كان ضعيفاً في أواخر أيامه، يحتاج إلى مجرد ركلة لإسقاطه (كذا).


هذا الكلام إما ناتج عن سذاجة وجهل في أحسن الأحوال، أو عن خبث وكذب في أسوئها. لقد ذكرت مراراً أن صدام كان يتمتع بعبقرية شريرة (criminal genius)، حيث استطاع مثل بطل السيرك، أن يروِّض الوحوش البعثية الضارية ويخضعها لطاعته المطلقة، وشكَّل منهم جيوشاً ومنظمات مدججة بالسلاح طوع بنانه دفاعاً عنه وعن نظامه حتى الموت، في مواجهة شعب أعزل جائع بالغَ في إذلاله بحكمه الجائر  والحروب وزوار الفجر والحصار الاقتصادي.


وقد اعترف صدام  باستحالة سقوط حكمه عندما خاطب رئيس المحكمة الجنائية العليا بلغته السوقية قائلا: (لو لا أمريكا، "لا إنت ولا أبوك " تستطيعان إحضاري للمحكمة). وهذا هو الواقع، فلولا أمريكا لبقي صدام  يواصل إجرامه بحق الشعب العراقي ومن بعده أبناءه وأحفاده إلى أجل غير مسمى.


وأقولها للمرة العاشرة، أنه من حسن حظ الشعب العراقي أن "تورطت" أمريكا في إسقاط حكم البعث، وهذا ما يسمى بمكر التاريخ. فلو سقط حكم البعث عن أي طريق آخر مثل موت طبيعي لصدام، أو انقلاب عسكري، أو انتفاضة شعبية...الخ، لكان مصير العراق أسوأ من مصير الصومال بعد الانقلاب على الدكتاتور محمد سياد بري، علماً بأن الشعب الصومالي متجانس قومياً ودينياً وطائفياً ولغوياً، ولم يكن سياد بري جائراً بدرجة صدام حسين. لذلك، فلو سقط حكم البعث بدون التدخل الأمريكي لقتل العراقيون بعضهم بعضاً عن آخرهم ودون وجود قوات دولية تحميهم من أنفسهم، وللحد من هذا القتل الجماعي.


وبناءً على ما تقدم، أعتقد جازماً أن كل ما حصل في العراق بعد سقوط حكم البعث، كان شراً لا بد منه وكان الحد الأدنى من الثمن الباهظ المطلوب من الشعب العراقي دفعه مقابل خلاصه من هذا النظام الهمجي الشرس، يحصل بعد سقوط أي نظام جائر، وما كان بالإمكان تفاديه في جميع الأحوال. أما الذين يتصورون العكس وأنه كان بالإمكان تجنب هذه الكوارث لو خطط بشكل أفضل كما يتصورون، فهذه الخطط كثيرة في التنظيرات ومخيلات الطوباويين الحالمين الذين أضاعوا حياتهم في طلب المحال. ولهذه الأسباب، أرى أن التدخل الأمريكي كان في صالح الشعب العراقي. ورغم كل الإعلام المعادي للعراق وما يتعرض له من إرهاب البعثيين، فلا بد للعملية السياسية أن ينتصر.


ما العمل في سوريا؟


وبالعودة إلى الأزمة السورية، أرى أن أوباما في ورطة، فالعالم، وحتى أقرب حلفاء أمريكا ليسوا مستعدين للتورط في حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط السريعة الاشتعال. وظهر ذلك جلياً من عزلة أوباما في مؤتمر مجموعة العشرين (G20) في سينت بيترزبورغ/ روسيا. وعلى الأغلب يتمنى أوباما لو يخرج من هذا المأزق بشكل وآخر مع حفظ ماء الوجه، إما برفض الكونغرس الأمريكي للضربة على غرار ما قام به البرلمان البريطاني الذي أنقذ ديفيد كاميرون من الاحراج، أو رفض مجلس الأمن الدولي للضربة، وفي جميع الأحوال أمام أوباما السناريوهات التالية:


السيناريو الأول، وهو المخطط الآن، ضربة سريعة تضعف حكومة بشار الأسد ، بتدمير جميع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمؤسسات الاقتصادية والخدمية، تتيح الفرصة للجيش السوري الحر والقاعدة (جبهة النصرة) إسقاط الحكومة، وما يترتب على ذلك من كوارث بشرية ومادية تشمل المنطقة بكاملها. وهذا السيناريو سيحول سوريا إلى أسوأ من الصومال، وربما ستعيد السيناريو الأفغاني بعد إسقاط الحكم الشيوعي فيه (1)، وتبدأ حروب إبادة الجنس (الجينوسايد) ضد جميع الأقليات الدينية، وهذه الأقليات وخاصة العلويين ليسوا مستعدين ليُذبحوا كالخراف، فلا بد وأنهم أخذوا الحيطة والاستعدادات لمواجهة هكذا احتمال، وبذلك فإن الأغلبية السنية ليست بمنجى عن الإبادة أيضاً. وبعد أن يبيد الجيش السوري الحر جميع الأقليات، ستنشب حرب الإبادة بين جناحيه، الديني المتشدد "جبهة النصرة (القاعدة) وهي الأقوى، وبين الجناح العلماني، وقد تمتد نيرانها إلى جميع دول المنطقة وبالأخص لبنان والعراق. ولهذا نرى أن الضربة الخاطفة جريمة بحق الشعب السوري وشعوب المنطقة.


السيناريو الثاني، عدم ضرب سوريا، وحل الأزمة بالمفاوضات السياسية أي العودة إلى (مؤتمر جنيف2). ومن المناسب أن أذكر هنا ما قدمه رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي من مقترحات لحل الأزمة السورية سلمياً من تسع نقاط، كما جاء في صحيفة الشرق الأوسط (2)


السيناريو الثالث: وإذا كان لا بد من إسقاط حكم البعث في سوريا بالقوة، فمن الأفضل إسقاطه بنفس الطريقة التي تم فيها إسقاط حكم البعث الصدامي في العراق مع الاستفادة من أخطائها لتجنبها، ولكن يجب أن نضع في الحسبان أن كل تجربة لها خصوصياتها، والقيام بهكذا عمل ضخم وخطير لا بد من حصول أخطاء ومشاكل من نوع جديد، ولكن ترك الحالة بلا حل أخطر.


وكما ذكرت أعلاه، إن هذا السيناريو سيلاقي معارضة من قبل الكثيرين وبالأخص من قبل الطوباويين، كذلك لا يريد أوباما السير على خطى سلفه جورج بوش، ولكني أعتقد جازماً أن هذا الحل يوفر وجود القوات الدولية بقيادة أمريكا للسيطرة على الوحوش الضارية والنزعات الانتقامية البدوية المنفلتة لإرتكاب جرائم إبادة الجنس. ولكن على الأغلب، لا الشعب الأمريكي ولا  الرئيس أوباما في مزاجية القيام بمثل هذا العمل.


وعليه فاختيار الحل السلمي بالمفاوضات السياسية هو الأسلم والأصوب.


ــــــــــــــــــــــــــ


روابط ذات علاقة بالموضوع


1 عبدالخالق حسين: هل ستعيد أمريكا السيناريو الأفغاني في سوريا؟


http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=512


2 المالكي يطرح مبادرة من تسع نقاط لحل الأزمة السورية


http://aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12700&article=742375&feature=#.UigwHdLBMQM

 

Opinions