Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

موضوعات حول انقلاب شباط الفاشي 1963, عواقبه على المجتمع العراقي ودروسه!

(1)
تمر على شعبنا في مثل هذا اليوم ذكرى أليمة وحزينة جداً, إنها الذكرى الـ 45 لانقلاب شباط الفاشي الدموي ضد حكومة عبد الكريم قاسم الوطنية. لقد نجح الانقلابيون الجدد واختطفوا السلطة. ولم تكن حركة الانقلاب الناجحة مفاجئة لأغلب القوى السياسية العراقية, إذ كانت تتوقع ذلك في كل لحظة, حتى الفريق الركن عبد الكريم قاسم كان يعرف أن حركة انقلابية تتجمع خيوطها لتطيح بنظام حكمه, إلا أنه كان يعتقد جازماً بأن الشعب كفيل بإسقاط المحاولة وإفشال منفذيها وكل الواقفين وراء العملية. رفض قاسم أن يستمع إلى تحذيرات سلام عادل, السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي , كما لم يستمع قبل ذاك إلى الملاحظات النقدية الصارمة والواضحة والمذكرات العديدة التي وجهها الأستاذ كامل الجادرجي, رئيس الحزب الوطني الديمقراطي, إلى عبد الكريم قاسم منبهاً إياه حول الأوضاع المتردية في العراق وطالباً منه الوفاء بالتزاماته أمام اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني في نقل السلطة إلى المدنيين وتخلي الجيش عن قيادة الحكم والعمل من أجل وضع دستور مدني وديمقراطي وإنعاش الحياة الحزبية والديمقراطية البرلمانية وسيادة القانون الديمقراطي واحترام إرادة الشعب.

(2)

لم تكن فردية قاسم ورغبته في الحكم من خلال الشعور بقدرته وحده على تحقيق مصالح الشعب هي المسئولة وحدها عن نجاح الانقلابيين في انتزاع السلطة بالقوة العسكرية الغاشمة وبالقتل الجماعي والتدمير, بل تتحمل معظم القوى والأحزاب السياسية العراقية مسئولية معينة في ذلك, وأن اختلفت في حجم ونسبة تلك المسئولية, سواء أكان ذلك من جانب القوى التي تحالفت مع عبد الكريم قاسم , أم من تلك القوى التي عارضته سياسياً , أم تلك التي حملت السلاح ضده. ولا شك في أن ضعف الوعي السياسي العام والطفولة اليسارية والاتجاهات الفكرية السياسية المتصارعة والرغبة الجامحة في المشاركة بالحكم أو الهيمنة على السلطة, إضافة إلى التأمر الخارجي, لعبت كلها الدور البارز في مساعدة الانقلابيين الأكثر يمينية وشوفينية على اغتنام فرصة الصراع بين القوى الوطنية وعبد الكريم قاسم للانقضاض على الحكم. لقد أضعف عبد الكريم قاسم بسياساته الفردية والمزاجية وغير الديمقراطية القوى التي كانت متحالفة معه, وبالتالي لم يكن في مقدورها الدفاع عن الجمهورية بوجه القوى التي كانت تريد إقامة نظام حكم قومي استبدادي في العراق, وهو ما حصل خلال الفترة الواقعة بين 1963-2003.

(3)

كانت معاناة الشعب منذ ذلك الحين كبيرة, بشعة ومرعبة في آن واحد. فقد سقط للشعب مئات ألوف القتلى والجرحى والمعوقين بسبب السياسات أللاوطنية والاستبدادية التي مورست من قبل القوى والنظم البعثية والقومية العربية الشوفينية وحروبها الدموية الخارجية والداخلية وعمليات الأنفال ضد الإنسانية ومأساة حلبجة والقبور الجماعية خلال العقود المنصرمة, ومن ثم معانات هذا الشعب من الإرهاب الديني والطائفي الذي مارسته قوى القاعدة والبعث ألصدامي والمليشيات الطائفية المسلحة الذي أعقب إسقاط النظام عبر القوات الدولية وإعلان مجلس الأمن الدولي احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا بالضد من إرادة الشعب وقواه الوطنية حتى عقد الاتفاقية الأخيرة مع الولايات المتحدة التي حددت نهاية العام 2011 موعداً لإنهاء وجود القوات الأجنبية في العراق.

(4)

لقد نشأ التحالف المناهض لحكومة عبد الكريم قاسم على قاعدتين, قاعدة اجتماعية وأخرى سياسية واستندت إلى إيديولوجية قومية شوفينية وأخرى دينية إسلامية سياسية أرَّقها قانون الأحوال الشخصية والإصلاح الزراعي ..الخ. لم ينفرد حزب البعث العربي الاشتراكي بالتحضير لانقلاب شباط وتنفيذه, بل شاركت معه مجموعات من القوى القومية والاجتماعية والأحزاب السياسية التي كان همها الأساس هو الخلاص العاجل من حكومة عبد الكريم قاسم, رغم وجود فوارق واضحة في الجهد الذي بذل وفي الأهداف التفصيلية من جانب مختلف القوى التي نفذت المخطط الانقلابي. كما شاركت دول عربية أقلقها جداً مطالبة عبد الكريم قاسم بالكويت أو القوانين التقدمية التي صدرت عن حكومة الثورة, إضافة إلى مواقف إيران وتركيا المناهضة لحكومة قاسم بسبب دور الثورة في إسقاط حلف بغداد (السنتو). وشاركت في التأمر على قاسم شركات بترولية ودول استعمارية أزعجها حكم قاسم ومواقفه من قضايا النفط الخام والقانون رقم 80 لسنة 1961 ودور العراق في تأسيس منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبيك) وعلاقاته السياسية والاقتصادية والثقافية الواسعة مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى حينذاك. كما أيد الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة الملا مصطفى البارزاني هذا الانقلاب بسبب الصراع والنزاع العسكري الذي نشب حينذاك حول الموقف من المسألة الكردية. وإذا كان قاسم قد ارتكب أخطاءً واضحة في الموقف من المسألة الكردية, فأن التحالف مع حزب البعث المعادي للشعب الكردي من جانب القيادة الكردية أساساً ضد حكومة قاسم كان خطأ أكبر. وقد تبين خطأ وخطر هذا التحالف في أعقاب وصول الانقلابيين إلى السلطة مباشرة.

(5)

مارس الانقلابيون سياسة فاشية شرسة في التصدي للقوى الديمقراطية المعارضة. فبعد أن تم قتل مجموعة كبيرة من قادة ثورة 14 تموز 1958, وفي مقدمتهم عبد الكريم قاسم, حيث صدر عن الحاكم العسكري, رشيد مصلح, البيان التالي:

" لقد تم إلقاء القبض على عدو الشعب كريم قاسم ومعه فاضل عباس المهداوي وطه الشيخ أحمد وكنعان خليل حداد من قبل القوات المسلحة وقد شكل مجلس عرفي عسكري لمحاكمتهم وقد أصدر المجلس العرفي العسكري الحكم عليهم بالإعدام رمياً بالرصاص ونفذ فيهم رمياً بالرصاص في الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر هذا اليوم". (راجع: نوري عبد الحميد العاني وصحبه. تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري. الجزء السادس. مصدر سابق. ص 27.) زج الحكام الجدد بالألوف منهم بالمعتقلات من مختلف القوى السياسية الوطنية والديمقراطية والتقدمية وعرضوهم إلى تعذيب جسدي ونفسي همجي لا مثيل له, كما استشهد على أيدي قوات الحرس القومي السيئ الصيت في الشوارع أو تحت التعذيب وفي أقبية النظام الجديد وفي قصر النهاية قادة وطنيون من القوى السياسية العراقية, وبشكل خاص قادة الحزب الشيوعي العراقي. لقد اصدر البعثيون والقوميون البيان رقم 13 وجاء فيه:

" إلى الشعب العراقي الكريم

نظراً لقيام الشيوعيين العملاء شركاء عبد الكريم قاسم في جرائمه بمحاولات يائسة لأحداث البلبلة بين صفوف الشعب وعدم الانصياع إلى الأوامر والتعليمات الرسمية فعليه يخول آمرو القطعات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن وإننا ندعو جميع أبناء الشعب المخلصين بالتعاون مع السلطة الوطنية بالإخبار عن هؤلاء المجرمين والقضاء عليهم". (راجع: نفس المصدر السابق). ثم شكلت "محكمة الثورة" برئاسة العقيد شاكر مدحت السعود لتصدر أحكامها القرقوشية بالجملة ولمئات السنين بحق المواطنات والمواطنين. كما نظمت فيما بعد قطار الموت بعد أن استحصلت بجهود مكثفة ومشبوهة فتوى من بعض شيوخ الدين معادية للشيوعيين في العراق والتي توجه بها غلاة الانقلابيين لضرب كل القوى الوطنية والديمقراطية تحت واجهة مكافحة الشيوعية والشيوعيين, ومنهم الأستاذ والصديق الراحل إبراهيم كبة وقادة بارزين من الحزب الوطني الديمقراطي وأنصار عبد الكريم قاسم وكثرة من المستقلين الديمقراطيين.

(6)

إن استعادة هذه الذكرى الحزينة بعد مرور 45 عاماً على وقوعها يفترض أن تستهدف بالأساس استخلاص الدروس المفيدة للشعب العراقي كله ولقواه السياسية الوطنية, إذ أن العقود المنصرمة, وخاصة السنوات الخمس الماضية, تشير إلى أن الكثير من القوى السياسية لم تستفد من دروسها, ومنها نشر الفكر الشمولي, سواء أكان دينياً أم قومياً أم علمانياً متطرفاً, وممارسة الاستبداد والعنف في السياسة, والعمل على عزل القوى السياسية المدنية والديمقراطية بصيغ مختلفة, إضافة إلى استمرار الإصرار على تشكيل أحزاب سياسية تستند إلى المذهبية التي تتحول في السياسة إلى طائفية سياسية مقيتة وتلحق أضراراً فادحةً بالمجتمع. والسنوات الست المنصرمة أكدت ذلك.

(7)

إن الدرس البليغ والبالغ الأهمية الذي يفترض أن نستخلصه من انقلاب شباط/فبراير 1963 وتداعياته التي تجلت في انقلابات لاحقة قامت بها القوى القومية ثم البعث, حيث استقر الحكم لـمدة 35 عاماً وفرض صدام حسين نظاماً استبدادياً شمولياً وذهنية عسكرية وعنصرية وطائفية شرسة وانتقامية, ومارست العنف والقمع والإرهاب والقهر الداخلي والحروب الداخلية والخارجية وتسببت في موت ما يقرب من مليون ونصف المليون من الناس في العراق, إضافة إلى القتلى في كل من إيران والكويت أو مواطنين من دول عربية أخرى, وإلى خراب اقتصادي ودمار وتراجع حضاري, هو:

إقامة نظام وطني ديمقراطي, مدني وفيدرالي حر, يستند إلى الدستور الديمقراطي ودولة القانون الديمقراطية وإلى الحياة البرلمانية والتداول الديمقراطي للسلطة بعيداً عن العنف والقوة وممارسة الحياة الحزبية الحرة, دولة ترفض العنصرية والشوفينية وضيق الأفق القومي والطائفية السياسية والتمييز الديني والمذهبي والتمييز ضد المرأة وتهميش دورها, بل ضرورة منحها كامل حقوقها ومساواتها بالرجل, دولة تعترف بدور الفرد في إطار الحياة الدستورية الديمقراطية وليس وفق مبدأ ما يسمى "بالمستبد العادل", دولة تحترم القوميات وأتباعها وأتباع الديانات والمذاهب الدينية ولكنها ترفض دمج الدين بالدولة وتأخذ بالقاعدة المدنية المجربة دولياً, قاعدة "الدين لله والوطن للجميع".



(8)

لقد عاش العراق خلال السنوات الست المنصرمة تجربة مذهلة بكل تفاصيلها, تجربة مريرة ولكنها مليئة بالدروس, بكل ما هو سلبي, وما يمكن أن يتحول بفعل التجربة والمعاناة القاسية لأغلب العراقيات والعراقيين إلى إيجابي لصالح المجتمع خلال الفترة القادمة. وربما ستكون نتائج انتخابات 31/1/2009 والانتخابات العامة القادمة في نفس العام الخطوة الأولى على طريق التغيير نحو المجتمع المدني الدستوري, الحر والديمقراطي والفيدرالي المنشود. ولكن هذا التحول صوب الاستفادة من السلبيات نحو الإيجابي وصوب الدولة والمجتمع الديمقراطيين المتطورين لا يمكن أن يحصلا بطريقة ميكانيكية أو عفوية أو من دون بذل أقصى الجهود من جانب جميع القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية وجمهرة من القوى الإسلامية الديمقراطية من العرب والكُرد والتُركمان والكلدان والآشوريين, أي من جميع مكونات الشعب العراقي, وخاصة مع الشباب والنساء من الأجيال الجديدة الصاعدة, لتشكيل تحالفات سياسية واعية وهادفة إلى بناء الدولة الاتحادية الديمقراطية الجديدة.

(9)

إن الفترة القادمة ستكون مليئة بالأحداث المهمة وتستوجب جهوداً استثنائية, سواء أكان بتكريس النجاحات الأمنية التي تحققت حتى الآن, أم بمعالجة القضايا الاقتصادية الملحة وبناء الصناعة الوطنية الحديثة وتحديث الزراعة وتوفير الخدمات الأساسية ومعالجة مشكلة البطالة الواسعة والبطالة المقنعة وتنشيط دور القطاع الخاص والمختلط وجلب الاستثمارات العراقية والعربية والأجنبية لتعجيل عملية التنمية وتحسين دور الدولة الاقتصادي بهدف تغيير بنية الدخل القومي وإزالة وحدانية الجانب فيه وتحسين مستوى حياة الشعب , وخاصة الكادحين والفقراء والمنتجين منهم, وبناء ضمان طبي واجتماعي جديد من خلال تغيير عملية توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي واستكمال إنهاء الوجود الفعلي أو ألظلي للمليشيات المسلحة ورفض المشاريع الطائفية بتشكي فيدرالية "للجنوب الشيعي!" , وتطوير دور المثقفين في الحياة العامة, وحل مشكلا اللاجئين الكُرد الفيلية والعرب المقيمين في إيران أو في الشتات والكشف عن جرائم القتل والتغييب خلال الأعوام المنصرمة, إضافة إلى إيجاد علاقة دستورية وقانونية واضحة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان وحل الخلافات الراهنة بطرق ودية في إطار دولة واحدة ومصالح مشتركة وحياة مشتركة مديدة والتصدي للقوى المتطرفة بكل اتجاهاتها التي تعيق تطور المجتمع وتنزع صوب العنف والقوة والانقلابات لتغيير الواقع السياسي والاجتماعي.

(10)

إن خير إجلال وتكريم لشهداء الشعب العراقي, ومنهم شهداء انقلاب شباط 1963, وخير تعويض للجرحى والمعوقين منهم , وخير عزاء لكل الذين خسروا أحباؤهم, هو استيعاب دروس الماضي خلال الأعوام الخمسين المنصرمة وجميع الدروس التي تراكمت في العراق عبر تاريخه الطويل, وخاصة عواقب الاستبداد والعنف والقمع والقسوة والاستخدام غير العقلاني والمتعصب للقومية والدين والمذهب والسياسة التي تتجلى في الفكر أو الأيديولوجيات الشمولية وفي الممارسة..

إن الاعتراف والاحترام المتبادلين بين جميع مكونات الشعب العراقي واحترام الرأي والرأي الآخر والتسامح والمساومة المعقولة في حل المشكلات القومية والسياسية والوعي بالمصالح المشتركة والمصير المشترك والحلو العملية وفق أسس ديمقراطية هي القواعد التي يفترض الاستناد إليها لبناء العراق الجديد, عراق الحرية والديمقراطية والمدنية والفيدرالية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية.

8 شباط / فبراير 2009 كاظم حبيب



ملاحظة: نشر المقال في جريدة صوت الأهالي البغدادية , جريدة الحزب الوطني الديمقراطي في العراق , بتاريخ 8/2/2009.

Opinions