Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

أصدقاء سياسيينا وأعداؤهم

يبدو أن كثيراً من سياسيينا لا يعرفون الصديق من العدو، بل وأكثر من هذا أنهم لا يعرفون ماهية الصديق، فيفرّطون بأصدقائهم ويزيدون أعداد أعدائهم المفترضين. ولعلّ الأمر لا يخرج عن الثقافة الأحادية التي تربّي في كنفها الغالب الأعم من سياسيينا، فنشأوا في ظل توصيفات نمطية للصداقات والعداوات، فـ (الصديق: كل من يتفق معي، حتي لو كان علي باطل)، و(العدو: كل من يختلف معي، حتي لو كان علي حق).

ولهذا، سرعان ما يصبح صديق اليوم.. عدواً في الغد، بمجرد أن يختلف معي، في أمر ما، لأن الصديق لا يجوز أن يعترض علي أي عمل أقوم به، حتي لو كان جريمة، ولا بد أن يؤيدني فيها ويباركني ويشاركني ويسوّغ فعلتي ويجمّلها، وإلا فهو عدو.

لا يجوز للصديق أن ينتقدني، لأنني علي حق دائماً، معصوم عن الخطأ، وأنا ضحية، وسواي جلاد، وأنا مظلوم وسواي ظالم، وأنا بريء وسواي مذنب، فكيف لا يكون عدواً من ينتقدني، وكيف لا يكون عدواً من يختلف معي في هذا الأمر أو ذاك.

ولهذا، أيضاً، فإن قصائد المدح الطويلة التي ننظمها بحق أصدقاء اليوم، لن تلبث أن تتحول الي معلقات من الشتائم والاتهامات الي الأصدقاء ذاتهم بعد أن نحولهم الي أعداء.

ولن نسأل أنفسنا يوماً، إذا كانت لـ (عدو اليوم) هذه العيوب والموبقات والخطايا والجرائم كلها، فكيف نسوّغ صداقتنا له طيلة سنوات، وعقود؟

وكيف نكتشف فجأة، لمجرد اختلافنا مع صديق أنه شيطان رجيم و....

أليس هو الذي كنا نتغزل بمحاسنه، فهو الشجاع الأمين الصادق الـ....، فكيف صار، فجأة هكذا، الجبان الخائن الكاذب الـ....؟

أن تكون صديقي فأنت تمتلك الحصانة ضد أي نقد لمساوئك، وستفقد هذه الحصانة بمجرد أن نختلف، وعندها سأعوض سنوات غضّ النظر عن عيوبك، وسأكشف عن موبقاتك. وما دمت صديقي فإنني سأعيرك محاسن غيرك، وإلا فأنت تعرف ماذا أفعل بعدوي: أسلبه محاسن نفسه.. صديقي خال من المساويء، وعدوي خال من المحاسن.

***

أليس حال سياسيينا، في الغالب الأعم، هكذا؟ والمؤسف أننا، نحن الرعية، ننقاد وراء سياسيينا كالحمقي، نحتفي بمن يقولون لنا إنه صديق، ثم نشتمه ونلعنه عندما يقولون لنا إنه صار عدواً.

رفعنا هذا الصديق الي (المنارة) أمس، ونهوي به اليوم الي (...) لأنه هو ما غيره بات عدوّنا.

والعكس يحدث أيضاً، فكم عدو كنا نلعنه، ونلصق به عيوب الدنيا كلها، بات أفضل الناس وأكملهم لأنه انقلب فجأة الي صديق.

أفبهذه الثقافة تُبني الأمم؟.

فما بالنا إذن نتساءل منذ أكثر من ألف عام: لماذا تتوالي المصائب والنكبات علينا؟.

***

بعضهم، سيحيلنا الي: لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة.

المفارقة، أننا أجهل الأمم بمصالحنا، والمفارقة الأشد إيلاماً أننا نعمل ضد مصالحنا.

عن الزمان Opinions