Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

أعيدوا الانتخابات لكي تحسموا الخلافات

-1-
تطمينات بعض الكتّاب للعراقيين، بأن الاحتقان السياسي العراقي الحالي، هو من طبيعة العملية الديمقراطية، فلا خوف على العراق من هذا الاحتقان. وأن بلجيكا واستراليا – كما قيل - قد ظلتا سنوات بدون حكومة بعد انتخابات تشريعية ديمقراطية، فلا خوف على العراق مما هو فيه الآن. وكل هذا غير صحيح، وغير مريح للعراقيين، ولمستقبل الديمقراطية في العراق. فالعراق ليس بلجيكا العريقة بديمقراطيتها، والمحصَّنة ضد الطائفية، والبعيدة عن أي تدخل سياسي خارجي. وبلجيكا لم تكن تحكمها الديكتاتورية العنيفة، قبل سبع سنوات، كما هو حال العراق. والشعب البلجيكي ليس الشعب العراقي بطوائفه الدينية، وتعدديته العرقية. والعراق حالة مميزة، وخاصة، ولا يُقارن بأي بلد آخر، حتى ولو كان هذا البلد عربياً، فما بالك عندما نقارنه ببلد أوروبي كبلجيكا، أو ببلد غربي كاستراليا مثلاً.
-2-
فالاحتقان السياسي الحالي ليس وضعاً مريحاً للعراق. وليس وضعاً سياسياً صحياً، خاصة وأن هذا الاحتقان ربما يقود إلى ردة سياسية خطيرة، تتمثل في تأليف حكومة عراقية من طيف ديني واحد، وهو تحالف الكتل الشيعية، الذي أُعلن بالأمس، واختار رئيس الوزراء الحالي مرشحا للمنصب مرة أخرى، منهياً بذلك خلافات استمرت عدة شهور، وعطَّلت تشكيل حكومة جديدة. ويمثل قرار التحالف الوطني (وهو اندماج بين ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي والائتلاف الوطني العراقي المقرب من إيران) تقدماً على صعيد المحادثات بين الفصائل السياسية العراقية لتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في السابع من مارس آذار، ولم تسفر عن فائز واضح. ولكن هذه الخطوة – فيما لو تمَّت - لن تقود إلى معالجة وإنهاء الاحتقان السياسي، بقدر ما ستزيد من هذا الاحتقان. فالمهم ليس تأليف حكومة عراقية ما، ولكن المهم تمثيل هذه الحكومة لغالبية العراقيين. ومن هنا، فقد قيل الآن، أنه رغم أن ترشيح المالكي من قبل التحالف الشيعي يمثل خطوة للأمام، إلا أنه ربما يواجه معارضة كبيرة قبل تشكيل حكومة جديدة. وهذه المعارضة تتأتى من:
1- إن التحالف الشيعي لديه مقاعد تقل بقليل عن 163 مقعداً مطلوباً لتحقيق أغلبية حاكمة في البرلمان. مما يعني أن هناك حاجة للتحالف مع كتل أخرى.
2- إعلان ائتلاف "العراقية" بزعامة علاوي، انه لن يشارك في حكومة يقودها المالكي.
3- إن الحكومة المقبلة يجب أن تشمل كل الفصائل السياسية العراقية بما في ذلك "ائتلاف العراقية" الذي حظي بدعم كبير من السُنَّة. وقد حذر علاوي زعيم "العراقية"، من أن أي محاولة لإبعاد "العراقية" من الحكومة، قد تؤدي الى عودة العنف الطائفي وقال أسامة النجيفي النائب عن "العراقية" إن إعلان ترشيح المالكي، يمثل نهاية اندماج الكتل الشيعية، ويمنح "ائتلاف علاوي" فرصة للاتفاق مع منشقين عن التحالف الشيعي.
4- انتهاء "التحالف الوطني" بالإعلان عن قيام" تحالف التكتل الشيعي". وأن "تحالف التكتل الشيعي" لم يعد يمثل الكتلة الأكبر.

5- إن المتشددين حاولوا استغلال فراغ السلطة، الناجم عن المفاوضات الطويلة لتشكيل حكومة جديدة، في مسعى لتعطيل الديمقراطية الوليدة، كما قال بعض القادة العسكريين العراقيين.
وهذه الأعراض الجديدة جميعها من الاحتقان السياسي، هي ما دفعت جوست هيلترمان المُحلل في "المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات" إلى القول، انه لا يتوقع رؤية حكومة جديدة في العراق قبل نهاية العام الجاري. وأن على المالكي "التغلب على كل خصومه الذين يمانعون رؤية استمراره رئيساً للوزراء، نتيجة للمفهوم المشترك لديهم، بأنه أساء استغلال السلطة، أثناء توليه المنصب."

-3-
فهل نحن الآن، كما سبق وقلنا في مقالنا ("سقط صدام لكن سلوكياته ما زالت فاعلة"، 29/3/2010) من أن موقف نوري المالكي من ضرورة تسليم السلطة بالتداول لغيره، هو موقف الخليفة عثمان بن عفان، عندما دعته المعارضة القرشية للتخلّي عن الخلافة لغيره، فقال كلمته المشهورة، التي أرسى بها مبدأ الحاكمية، وقال:

"والله لا أخلع ثوباً سربلنيه الله".
وهو ما قاله المالكي بلغة اليوم، من أن: "لا يستطيع أحدٌ أن يأخذها، حتى نُعطيها".
فأين هي المشكلة؟
ليست المشكلة في شخص المالكي، ولكن المشكلة فيما يمثل هذا السياسي من إيديولوجيا دينية/سياسية فيها خطورة على مستقبل العراق الديمقراطي.
فالمالكي هو زعيم "حزب الدعوة" (تأسس 1957) العراقي الديني الفئوي الشيعي، الذي يتبنى الدولة الدينية. وهو حزب مُحتضن من إيران ك "حزب الله" في لبنان. وإيران استضافت هذا الحزب وكوادره طوال فترة مطاردة صدام له، وأمَّنت له المقرّات، والمعسكرات، والتمويل المالي. وفي تصريح لمقتدى الصدر نشره موقع "العربية نت"، في 29/9/2010، أقر الصدر بوجود "ضغوط سياسية"، في عملية اختيار مرشح لمنصب رئيس الوزراء، من تحالف يضم الأحزاب الشيعية. وهي ضغوط إيرانية في هذا الصدد. وكانت صحيفة "الشرق الأوسط" قد نقلت في (29/9/2010) عن مصادر في "الائتلاف الوطني" العراقي القول، إن الصدر وافق بعد ضغوط من إيران على تولي المالكي رئاسة الحكومة. وأن إيران كان لها الدور الكبير في إقناع كثير من الجهات التي تعارض تولي المالكي ولاية ثانية.
ورغم أن الانتخابات التشريعية الأخيرة، برهنت على رفض العراق الجديد للدولة الدينية، متمثلة بالمالكي، وحزب "الدعوة"، والسيطرة الإيرانية، إلا أن "تحالف التكتل الشيعي" الجديد بقيادة المالكي، يُعتبرُ عَرضٌ سياسي خطير من أعراض الاحتقان السياسي الذي يمكن أن يقود إلى كارثة، بدل أن يكون الدواء الناجع لهذا الاحتقان.
فما العمل، وما المخرج؟
-4-
لقد قلنا في مقال سابق، أن للاحتقان السياسي العراقي ايجابيات، ومن هذه الايجابيات:
أن العراق أصبح خلال الفترة السابقة (مارس – سبتمبر 2010) حلقة حوار سياسي كبيرة وواسعة، عن برامج الأحزاب، وخطط هذه الأحزاب والنخب السياسية، ومَنْ هم أكثر فائدة للعراق ومصالحه. وأصبح سواد الشعب العراقي يعرف برامج الأحزاب السياسية التي فازت في الانتخابات أكثر من السابق، بل بأكثر مما سبق الانتخابات التشريعية ذاتها، التي أجريت مؤخراً في مارس الماضي 2010. كما وضعت الفترة السابقة الزعماء السياسيين على المحك السياسي، وعرف الشعب العراقي نُخبه السياسية أكثر فأكثر.

لذا، فإن حسم الخلافات القائمة الآن، لن يتم إلا بإعادة الانتخابات التشريعية، وستكون هذه المرة، أفضل من سابقتها، وستأتي بنواب أكثر صدقاً، وإخلاصاً، وثقافة، وواقعية سياسية، لأن الناخب العراقي الآن، أصبح – أكثر من أي وقت مضى – يدرك حقيقة السياسيين، وخططهم، وصدق برامجهم السياسية، وواقعية هذه البرامج. كذلك أصبح الناخب العراقي يعرف، ويدرك أكثر من السابق، من هو المسئول الأكثر ملائمة لإدارة الدولة.

Opinions