Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

التركة العراقية في الإرث الأمريكي

لا ينكر أحد، أن الحالة العراقية خلال السنوات الخمس الماضية، قد تركت أثراً عميقاً في التاريخ السياسي الأمريكي المعاصر، وفي التاريخ الاجتماعي أيضاً. وكنا نتمنى أن يكون هذا الأثر حسناً. ولكن هذا الأثر ليس كذلك. فلقد حاولت مجموعة من الليبراليين العرب والأمريكيين الذين يقرأون التاريخ بطريقة مختلفة عن الآخرين، أن تُقنع الرأي العام الأمريكي، بأن ما فعلته أمريكا في العراق هو التحرير بعينه. وبأن أمريكا بهذه الحملة، قد أصبحت محررة الشعوب العربية في الشرق الأوسط. والعراق هو بداية ذلك، وليس نهاية المطاف.

أمريكا وتحرير الشعوب

ويكفي الشعب الأمريكي بهذه الحملة فخراً واعتزازاً، أنه أصبح محرر العراق، كما سبق وحرر الشعب الألماني والايطالي والياباني والكوري والأفغاني. ولكن الحالة العراقية مختلفة، بل هي في بداية الحملة على العراق لم تكن مختلفة، وإنما تم الاختلاف عندما راحت (السكرة) وجاءت الفكرة لدول الجوار، التي اكتشفت بعد وقت قصير من بدء الحملة على العراق، أن الحملة على العراق ليست فيلماً سياسياً ينتهي عند العراق فقط، ولكنه مسلسل سياسي، كانت أولى حلقاته الحملة على العراق، وستكون الحلقة الثانية والثالثة وما يتبع ذلك للأنظمة العربية الشبيهة بعهد صدام حسين. سيما وأن عهد صدام قد بُني ضد أي انهيار من الداخل أو من الخارج، ولكي يبقى 500 سنة صامداً على الأقل كما شهد بذلك محمد المشاط، السفير العراقي السابق في واشنطن (جريدة "الحياة"،16/4/2008). فتدفقت جموع الإرهابيين إلى العراق من أتباع الأصوليات الدينية من كل حدب وصوب، لكي تخوض معركة البقاء ضد "الشيطان الأكبر" الذي أصبح قريباً منها، وسهل التناول، بدلاً من السفر إلى ما وراء المحيطات لتصفية الحساب معه وعلى أرضه، دون سند أو عُمَد. وشجع هذه المجاميع الإرهابية دول الجوار المساندة، فمدت الإرهابيين بالمال والسلاح والتدريب وبكل ما يحتاجونه، وقالت لهم انطلقوا، فالعدو من أماكم ونحن من ورائكم.



الأخطاء الأمريكية

يضاف إلى ذلك الأخطاء الأمريكية في عام 2003، 2004 عندما كان العراق تحت الإدارة الأمريكية مباشرة، والتي تمَّ فيها حلُّ الجيش العراقي وتفكيك كيان الدولة بأجهزتها المختلفة بإدارة بريمر. وهذا كله سوء فهم من الأمريكيين الذين أرادوا بذلك تطبيق نظرية " دوجلاس مكارثر" اليابانية نفسها (حل الجيش، وكل أجهزة الدولة، وكتابة دستور جديد) على العراق، ولم يلاحظوا الفروقات بين البنية السياسية والاجتماعية والثقافية العراقية والمثيل لها في اليابان، فوقعوا في الخطأ التاريخي المميت، الذي أدى إلى أضعاف العراق الجديد، وتأخير بنائه، كما هو عليه الحال الآن.

الفساد السياسي والمالي

وزاد غياب النُخب السياسية الشريفة والنظيفة العراقية من الميدان السياسي في العراق الجديد، وكذلك الفساد المالي والسياسي من عمق وفداحة المشكلة العراقية بعد التحرير. فقد أكدت "هيئة النزاهة" في العراق، أن خسائر العراق خلال السنوات الخمس الأخيرة التي أعقبت سقوط النظام السابق، نتيجة الفساد الإداري والمالي بلغت 250 بليون دولار. ووصفت هذه النتيجة بالكارثة بين بلدان العالم، واعتبرت الهيئة الأمانة العامة لمجلس الوزراء البؤرة الأخطر للفساد، فيما احتلت وزارة الدفاع مرتبة متقدمة بين الوزارات في هذا المجال. ومما يعزز هذا الاعتقاد تواتر التقارير والأبحاث الدولية مؤخراً التي تضع العراق في مرتبة دنيا في سلم الدول المبتلية بهذه الآفة الخطيرة. ففي جداول الفساد في العالم التي تصدرها منظمة الشفافية العالمية يظهر العراق في المرتبة ما قبل الأخيرة للدول، كما أنه يقف في المرتبة الثانية في سلم الدول الفاشلة، بعد السودان، والمتضمن تقييم الأوضاع في 177 دولة وفق معايير ومؤشرات اقتصادية واجتماعية وأمنية وغيرها." فحزن الأمريكيون عندما اكتشفوا حجم الفساد الهائل في العراق، وعضوا على أصابعهم ندماً وحزناً على مئات المليارات التي أنفقوها على تحرير العراق وعلى هذه الآلاف من أرواح جنودهم التي ذهبت فداءً لتحرير العراق. ولكنهم ما زالوا يأملون في تحسن الأوضاع، وضبط المصروفات والمال العام.



الطائفية بركان العراق المُهلك

لم يتوقع الرأي العام الأمريكي، أن تكون حدة الصراع الطائفي في العراق على هذا النحو. ونسي أن الخلاف الطائفي في العراق، ظل تحت الأرض يغلي ويتفاعل كحمم البراكين، ولكنه لم يجد القشرة الرقيقة السُمك لكي ينفجر منها، وهذه القشرة الرقيقة هي مناخ الحرية، الذي هيّأته حملة "تحرير العراق". فانفجر هذا البركان الذي نراه الآن، والذي كان خامداً طيلة سنوات ممتدة، ربما كانت قبل حكم البعث عام 1968. والخلاف والصراع والاقتتال حقيقةً ليس بين السُنَّة والشيعة فقط، ولكنه بين معظم مكونات الشعب العراقي ما عدا الكُرد. وفي هذا يقول الكاتب العراقي عبد الخالق حسين: " القتال ليس متوقفاً بين السنة والشيعة، بل هناك اقتتال بين المليشيات الشيعية- الشيعية، وكذلك بين مجموعات سنية - سنية، وضحايا من أتباع الديانات الأخرى، كالمسيحيين والصابئة والأيزيدين، وتشريدهم من ديارهم. كما ولحقت الإبادة الفقراء الغجر المعدَمين، ولم يسلم من القتل حتى الحلاقين والخبازين والفرق الرياضية والنساء السافرات، واللواتي يسقن السيارات. كما ويقوم القتلة بتفجير المدارس والمستشفيات، دون أي تمييز بين ديانة أو مذهب الضحايا.

فهل يكفي أن نلقي تبعة هذا القتل العشوائي على الاختلاف المذهبي والعرقي، ونركن إلى هذا الرأي لنرتاح من عناء التفكير؟

أو نميل إلى نظرية المؤامرة، كما عند الذين يرددون أن هذا القتل هو من تخطيط أمريكا والصهيونية العالمية، وحرب صليبية جديدة مخططة ضد الإسلام والمسلمين للسيطرة على البلاد العربية ومنابع النفط، وأن أمريكا خططت مسبقاً لتدمير العراق؟"

وهذا صحيح، فمرحلة الاقتتال الطائفي أو العرقي لا بُدَّ أن تأخذ مجراها في الحياة العراقية. وكان من المفترض أن يتم ذلك قبل 2003، وقبل 1968، ولكن كما قلنا لم يجد هذا البركان وسيلة للاندلاع، ونثر حممه على هذا النحو الرهيب، إلا عندما صادف قشرة رقيقة (مناخ الحرية) وفرها الغزو الأمريكي للعراق فانفجر منها. "فالغزو الأمريكي لم يفعل أكثر من أن يقدّم المناسبة لانفجار البركان (الحرب الطائفية)، لكنه لم يكن هو عاملها على صعيد السببية"، كما قال المفكر السوري جورج طرابيشي.



التركة العراقية في الإرث الأمريكي

بعد عدة شهور معدودة، سوف يترك الرئيس بوش البيت الأبيض لخليفته الذي سيرثه التركة العراقية الثقيلة. وربما لم يترك رئيس في أمريكا مثل هذه التركة الثقيلة للغاية لمن سيأتي بعده، ما عدا ما تركه الرئيس جونسون للرئيس نيكسون فيما يتعلق بحرب فيتنام. وبذا، سوف تتبع اللعنة الأمريكية على إدارة بوش، حتى وهو خارج الحكم من جرّاء أخطاء الإدارة الأمريكية، وسوء الإدارة العراقية. وستكون اللعنة شاملة لبوش وللحزب الجمهوري، فيما لو فاز مرشح الحزب الديمقراطي، واستطاع إصلاح الوضع العراقي. فالمرشحون المتنافسون على مقعد الرئاسة حتى الآن في الانتخابات الرئاسية الأميركية ليس لديهم أية خطط محددة للتعامل مع قضية سحب القوات الأميركية من العراق. فخطط هؤلاء تركز على عدد القوات التي سيسعون إلى سحبها أو الإبقاء عليها، ولكنهم لا يركّزون على حل المشكلة نفسها، ألا وهي القضية العراقية، التي هي في الأساس مشكلة خلقتها الولايات المتحدة بغزوها للبلاد، كما تقول رئيسة قسم الشؤون الدولية في صحيفة "التايمز" اللندنية برونوين مادوكس. وتضيف مادوكس: " للمرشحين الثلاثة الحق في أنهم لا يريدون تحمل مسؤولية المأزق الأميركي في العراق، ولكن الذي سيفوز في الرئاسة، سيتوجب عليه التعامل مع هذا الملف في النهاية.

إن أيا منهم لا يقدم أية وعود واضحة للناخب الأميركي حول عدد القوات الأميركية التي ستبقى في العراق بسبب شدة تعقيد الوضع العام في العراق، وهو أمر يدركه الجنرال ديفي بتراوس جيداً."

Opinions