Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

المحاصصة والتكنوقراط

أسوأ ما شهدته الشهور الـ 34 من عمر العهد الجديد في العراق، أننا انشغلنا عن هموم الوطن باشتغالنا علي أولوياتنا الشخصية والحزبية والفئوية، فخسر الوطن لنخسر معه، وكان علينا أن ننشغل عن أولوياتنا بالاشتغال علي أولويات الوطن، ليربح فنربح كلنا. والأسوأ أيضاً أن الثأرية استنزفتنا بمعارك (كسر العظم)، فهذا (إرهابي) وذاك (عميل جاء علي دبابة أمريكية)، وهذا (صفوي) وذاك (صدامي) أو (زرقاوي)، ومن بين هذه التوصيفات وعلي إيقاعها ظلت جماعات من جميع الألوان تلعب علي جميع الحبال، فانخطف لون الوطن، وتناسلت أوجاع المواطن.

وما زلنا بعد هذا الخراب كله، نسأل: الأولوية لمن؟.. أللمواطن أم للوطن؟.

***

وأنتم تجتمعون هذه الأيام يا زعماء الكتل السياسية، فإن أول أمر يتعين أن تدققوا فيه قبل أي عنوان من عناوين برنامج الحكومة الجديدة، هو: (المصطلح). ما قيمة برنامج يتأسس علي فهم مرتبك للمصطلحات؟.. لن يكون إلا بيئة مثالية للتشظي وفضاء مفخخاً بما لم نعد نحتمل من التأويلات المتعسفة والتفسيرات المنحرفة. سمّوا الأشياء بأسمائها الواضحة غير الملتبسة، كي لا تتسمم حياتنا أكثر.

حددوا بالضبط من أين يبدأ مصطلح (المحاصصة)، وأين ينتهي، كي تفوّتوا الفرصة علي من يريد إعادة إنتاج المحاصصة باسم جديد. إن ضمان تكافؤ الفرص للجميع في المشاركة السياسية، وصناعة القرار، لا تحققه المحاصصة كما تبين في تجربة العامين الماضيين، بل تحققه دولة المؤسسات، تحققه حكومة لا ينحاز فيها موظف صغير أو كبير الي حزبه أو طائفته، ولا يتوهمن فيها وزير أو وكيل أن الوزارة غنيمة لحزبه أو كتلته.

ومثلما يتعين أن تتحدد بوصلة وطنية للسلطة التنفيذية، فإن الأمر أيضاً يتعين أن يحدث بالنسبة للتشريعية والقضائية.

ويتعين أن تدرك جميع الأحزاب أن ليس من مصلحتها ابتلاع الوزارات، والمؤسسات الرقابية، كما ليس من مصلحتها ابتلاع مؤسسات المجتمع المدني.

إن هذا الابتلاع أمر غير مشروع، ولا يعدو كونه سوي تربية لشيطان لن يلبث أن يبتلع من ربّاه. لا قوة حقيقية رصينة لأي حزب أو فرد أو طائفة أو قومية إلا بسيادة سلطة القانون، ولا سلطة قانون رصينة إلا ببناء رصين للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والرقابية، وفصل حقيقي بينها، بما يجعل أدوارها تكاملية ووظائفها واضحة ومحددة، وهياكلها رصينة متعافية.

***

ارسموا أدقّ الملامح والتفاصيل لـ (الفيدرالية)، كي تقطعوا الطريق علي من يتوسلها سبيلاً الي دويلات طائفية أو إمارات طالبانية (نسبة الي طالبان).

***

أعيدوا النظر بمصطلح (التكنوقراط) وهذّبوه مما علق به من سوء فهم أفرغه من محتواه الحقيقي. ولي وقفة هنا، أجدها ضرورية، ذلك أن بعض قيادات الخط الأول أو الثاني من بعض الأحزاب، لا تتورع عن التصريح هذه الأيام أن في صفوفها كثيراً من التكنوقراط وبالتالي فلا مسوّغ لاستيزار تكنوقرط مستقلين. إن المعضلة ها هنا، في التحريفية التي تنتج مثل هذه التأويلات المتعسفة، وإلا كيف تسوّغ مثل هذه القيادات الحزبية لنفسها أن تجعل كل شيء يبدأ من الحزب وينتهي اليه، وكأن الحزب هدف وليس وسيلة من وسائل تمكين المجتمع بناء الدولة وترصين أسباب نموها وازدهارها. اسمحوا لنا أيها السادة.. فهمكم هذا منحرف.. أعيدوا النظر به.

إن المجتمع أنساق، يجوز تسييس بعضها بل ويكون ذلك واجباً لبعضها الآخر ولا يجوز تسييس بعضها بل يكون ذلك محرّماّ البتة علي بعضها الآخر. وعلي سبيل المثال، فإن الأحزاب نسق اجتماعي واجب علي أعضائها الاشتغال بالسياسة، لأنها وظيفتهم الأولي، وهويتهم العملية.

وعلي سبيل المثال أيضاً، فإن المؤسسة العسكرية نسق اجتماعي.. يُحرّم علي منتسبيها الاشتغال بالسياسة، لأنها تتقاطع مع وظيفتهم وتشوّه هويتهم.

وهكذا..... فإن التكنوقراط لا يجوز تسييسهم، وربطهم بعجلة الأحزاب، لأن ذلك يخرجهم من نسقهم الاجتماعي الأصلي الي نسق آخر مغاير له في الوظيفة والهوية. ما أن يتسيس أي من التكنوقراط حتي تتقدم الهوية السياسية علي هويته التكنوقراطية، ما يفقده خصائص جوهرية من الحياد والمهنية، فإذا ما انضوي في هيكلية حزب ما، فقد الركيزة الأساس التي كانت تؤهله للقسمة علي الوطن كله، بجميع أحزابه ومكوّناته الفكرية والثقافية والدينية والسياسية والاجتماعية.

وأسمع، مثل سواي، لبعض سياسيينا تصريحات عجيبة حقاً، فبعضهم ينطلق من فرضية أن الحقيبة الوزارية منصب سياسي، وبالتالي فلا بد أن تذهب لشخص من هذا الحزب أو ذاك علي وفق اشتراطات المحاصصة حيناً أو امتيازات الفوز بالانتخابات حيناً آخر.

سيكون ممكناً التأسيس علي هذه الفرضية، وقبول الاحتكام الي منطقها، لو لم تكن خريطة الأحزاب العراقية مرسومة - إلا في بعض الاستثناءات - بريشة طائفية بحت (الأحزاب الإسلامية)، أو قومية بحت (الأحزاب القومية علي اختلاف القوميات).

وحتي تتعافي أحزابنا كلها علي وفق خريطة سياسية وليس جغرافية مناطقية أو قومية أو طائفية، فمن المقامرة التعويل علي تكنوقراط متحزبين.

أما التذرّع بأن الوزير غير المدعم بحزب لن يستطيع العمل في ظل هذه الاستقطابات والاحتقانات، فإنه مردود، ما دمنا نتحدث عن برلمان منتخب يُفترض أنه حامي السلطة التنفيذية وضابط إيقاعها.

***

من قال إن الديمقراطية - في أفضل حالاتها - نظام مثالي لا يعتوره النقص؟.

إن التكاليف المترتبة علي نقاط ضعف الديمقراطية أقل بكثير من تكلفة واحدة يرتبها الاستبداد علي المجتمع. وثمة فارق بين الديمقراطية والفوضي، وعلينا أن نغادر منطقة الفوضي، الي فضاء الديمقراطية، وعندها لن يحنّ أحد أبداً الي أيام الاستبداد.

.co.uk Saad_abbas1@yahoo

عن الزمان Opinions