Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

حوار [مجلة لفين الكردية] مع المؤرخ حامد الحمداني القسم الأول 1/2

28/7/2010
•العراق في كل المراحل التاريخية الماضية لم يشهد فيها صرا عات دموية عنيفة بين مكونات شعبه وبالأخص بين القوميتين الرئيسيتين الكردية والعربية، أنتم كمؤرخ وباحث أكاديمي ما هو رأيكم حول الانتفاضات والثورات الكردية في العراق؟ هل هي نتيجة لتخمر الوعي القومي الكردي أم ردة فعل إزاء الحكومات المتعاقبة في العراق؟.

• لم يشهد العراق في كل تاريخه الحديث صراعاً بين القوميات العراقية المتآخية، وعلى وجه الخصوص ما بين القوميتين الرئيسيتين العربية و الكردية، بل على العكس من ذلك كان هناك تعاطفاً شديداً مع الشعب الكردي في نضاله من أجل حقوقه القومية في العهد الملكي، بل لقد تعدى ذلك التعاطف إلى المشاركة الفعلية لذلك النضال، وشواهد التاريخ كثيرة في هذا المجال. لكني أستطيع القول أن كلا الطرفين السلطة والقيادات القومية اقترفوا أخطاء كثيرة قادتهم إلى الصراع المسلح لسنوات عديدة، وكان بالإمكان تجنبها، واتخاذ الأساليب النضالية السلمية، مما كان سيجنب الشعب الكردي تلك الويلات والمآسي التي قاسى منها جراء الحروب المستمرة لسنوات عديدة، والتي انتهت بلجوء السيد مصطفى البارزاني ورفاقه إلى الاتحاد السوفيتي، ومكوثه فيها حتى انبثاق ثورة 14 تموز عام 1958
• لكن الأمور تغيرت بعد انبثاق ثورة 14 تموز المجيدة، بقيادة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم ، والذي بادر إلى تضمين الدستور المؤقت الذي صدر بعد أيام من وقوع الثورة، العبارة الصريحة التالية [ العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن] وهذا الدستور المؤقت كان يعكس بلا أدنى شك الفكر الحقيقي للزعيم عبد الكريم قاسم كونه لا يحمل فكراً شوفينيا تجاه الشعب الكردي ، وهو الذي حرص على المشاركة الفعلية للكرد في مجلس السيادة والحكومة، ومبادرته إلى دعوة الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني ورفاقه للعودة إلى العراق، واستقبالهم رسمياً وشعبيا، وإسكانه في قصر غريمه نوري السعيد، واستعداد الزعيم عبد الكريم قاسم لاستقباله في مقره بوزارة الدفاع في أي وقت يشاء، والسماح بنشاط حزبه، وصدور صحافته، أفليس ذلك الموقف من الزعيم ينم عن احترام القومية الكردية وزعامتها آنذاك؟
• وللحقيقة والتاريخ أقول كان موقف القيادة القومية الكردية المتمثلة بالسيد البارزاني هو موقف الإسناد للثورة والدفاع عنها ضد مؤامرات القوى الإمبريالية وحلفائها البعثيين والقوميين، الذين سرعان ما تنكروا لجبهة الاتحاد الوطني ولثورة 14 تموز وباشروا بالتآمر ضدها .
• لكن نشوب حركة التمرد التي قادها الإقطاعيان رشيد لولان وعباس مامند بدعم مكشوف من قبل الولايات المتحدة وشاه إيران هي التي دفعت الزعيم قاسم إلى إرسال قوات الجيش لقمعها، ولم يكن هناك مبرراً من قيادة البارزاني لمغادرة بغداد إلى كردستان، والمسارعة إلى حمل السلاح ضد الثورة مهما كانت تلك المبررات التي هي في الحقيقة تمثل تناقضاً ثانوياً بين أجنحة القوى الوطنية، وليس تناقضاً أساسيا، وكان بالإمكان تجاوز ذلك التناقض، وحل جميع المعضلات لو التزم الطرفان جانب الحكمة، وعدم دفع الأمور إلى الصراع المسلح، وانحياز القيادة الكردية إلى جانب انقلابيي 8 شباط 1963 المدعوم من قبل الإمبريالية ، والذي كان أحد أهم العوامل التي أوصلت العراق إلى الكوارث منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا ، وللإطلاع على المزيد من التوضيح لمجريات تلك الأحداث يمكن العودة إلى كتابي [لمحات من تاريخ حركة التحرر الكردية في العراق]، والتي تناولتها بالتفصيل.

• ما هي أهم نقاط الضعف (كعب أخيل) في الحركة القومية الكردية؟ وما هو تقيمكم للحركات الكردية في العراق؟.

• في اعتقادي أن لجوء القيادات القومية الكردية إلى السلاح لحل التناقضات مع السلطة العراقية قبل استنفاذ كل الوسائل السلمية كان خطأ كبيراً دفع ثمنه الشعب الكردي والشعب العراقي بوجه عام ثمناً كبيراً من الدماء والدموع والخراب، وخاصة التناقضات التي حدثت على عهد الزعيم عبد الكريم قاسم . لقد كان بإمكان الزعيم أن لا يدعو السيد البارزاني للعودة إلى العراق لو شاء، لكنه شاء أن يعيد اللحمة بين الشعبين العربي والكردي بعد ذلك الصراع في العهد الملكي، وإشراك الكرد مشاركة حقيقية في إدارة شؤون الوطن المشترك، ولقد أدرك الزعيم البارزاني بعد فوات الأوان أن انقلابيي 8 شباط ليسوا أكثر ديمقراطية من عبد الكريم قاسم، بل أنهم غارقون في شوفيتهم وأنهم قد خدعوه بوعود كاذبة، واستعدوا بعد تثبيت حكمهم إلى مهاجمة الشعب الكردي بكل وحشية، ولم يكد يمضِ على انقلابهم المشؤوم سوى 4 اشهر .
• إن القيادة الكردية تتحمل مسؤولية كبرى عن وصول البعثيين إلى الحكم وما اقترفوه من جرائم بحق الشعب العراقي بكل قومياته، وحروبهم الكارثية التي أوصلت العراق إلى هذه الحال التي نشهدها اليوم.
• كما أن اعتماد القيادات الكردية الحالية على الولايات المتحدة في حل تناقضاتها مع السلطة المركزية حول ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها أمر لا يخدم القضية الكردية على المدى البعيد، بل يهدد في اندلاع الصراع المسلح من جديد، وإن اللجوء إلى الحكمة هو السبيل الوحيد للحفاظ على المكاسب التي حصل عليها الشعب الكردي.علماً أن الولايات المتحدة ليس لها صداقة دائمة، بل مصالح دائمة، وشواهد التاريخ كثيرة في هذا المجال في علاقاتها مع القيادة الكردية.


• كيف تقيّمون شخصية وإنجازات الشيخ محمود الحفيد في بداية العشرينات حتى نهاية حكمه؟.

• الشيخ محمود الحفيد، بلا أدنى شك، كان قائد كبير لحركة التحرر الكردية في العراق، واستطاع أن يحقق إنجازات كبيرة في مجالات حركة التحرر الكردية، لكنه أخطأ في تقييم توجهات الإمبريالية البريطانية بالنسبة لمستقبل العراق من جهة، وأخطأ في تقييمه للظروف الدولية السائدة آنذاك، وخاصة وأن بريطانيا كانت تمثل الدولة العظمى الأولى في العالم، وكانت عصبة الأمم أداة طيعة بيدها.
• ومن جهة أخرى كان سعيه لإقامة دولة كردية في تلك الظروف، ودخوله في صراع مسلح مع بريطانيا، ومع الحكومة العراقية والجيش العراقي قد افقده التأييد الشعبي العربي الذي كان هو بأحوج ما يكون إليه، وكان بإمكانه الحفاظ على المكتسبات التي حققها، والعمل على تطويرها مستقبلا، عندما تكون الظروف الداخلية والدولية مناسبة.

• هل كان لدى الأحزاب القومية الكردية في الماضي خطاب سياسي عقلاني مبني على الواقعية السياسية في التعامل مع الظروف السياسية؟.

• بصراحة أعتقد أن التسرع والانفعال كان يغلب على الخطاب السياسي للأحزاب القومية الكردية، مما أوقعها في مطبات كبيرة كان يمكن تجاوزها ، والتي ذكرتها في الفقرة الأولى على وجه الخصوص. ومن المؤسف أن هذا الخطاب ما زال يسيطر على فكر القيادات الكردية اليوم، ولاسيما التهديدات التي توالت على لسان أعلى القيادات الكردية والتي وصلت إلى حد التهديد بالحرب الأهلية على لسان السيد مسعود البارزاني والسيد نجرفان البارزاني قد أضرت بالغ الضرر بالأخوة العربية الكردية.
• أن النضال من أجل الديمقراطية، وتمتين أواصر العلاقة الأخوية بين الشعبين العربي والكردي هي السبيل الوحيد لتحقيق آمال وأحلام الشعب الكردي، وإن السبيل لحماية الفيدرالية في كردستان العراق هو الديمقراطية والكف، بل ومكافحة التعصب القومي، واندفاع العديد من الكتاب الكرد في استخدام أساليب الشتائم والتطاول على العرب بأقذع الكلمات، مما سبب هذا الشرخ الذي نشهده اليوم في العلاقة الأخوية بين أبناء القوميتين، وهذا بكل تأكيد لا يخدم مصالح الشعب الكردي على المدى القريب والبعيد.

• القضية الكردية في عهد الملكي (1921-1958) الذي تم فيه معرفة نضال الكرد منذ تأسيس الدولة العراقية على يد الملك فيصل الأول حتى قيام الجمهورية العراقية عام 1958 وتنصيب عبد الكريم قاسم رئيسا للعراق، ما هي أهم الأحداث التي شهدها العراق في تلك المراحل التاريخية وانعكاساتها غلى القضية الكردية؟.

• أعتقد أنني قد تناولت جانباً كبيراً من تلك الأحداث في الفقرات السابقة، وأود التركيز على موقف القيادة الكردية من حكومة عبد الكريم قاسم كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها هذه القيادة، وهي التي كانت أحد العوامل الحاسمة في إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم، واستيلاء البعثيين وحلفائهم القوميين على السلطة، وكل ما حدث من ويلات ومصائب منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم هو من نتاج ذلك الانقلاب المشؤوم، والذي شاركت فيه الأحزاب القومية الكردية مع شديد الأسف، ونالهم ما نالهم على يد حلفاء الأمس!!

• يتهم الأكراد عبد الكريم قاسم بأنه تلاعب بالقضية الكردية في عام 1958؟ هل هذا صحيح؟.

• هذا غير صحيح، بل وإجحاف بموقف عبد الكريم قاسم، ولقد تطرقت بالتفصيل لشرح موقف الطرفين، وأخطائها. إن عبد الكريم قاسم لم يكن يوماً شوفينيا، بل كان يحب ويحترم سائر القوميات والأديان والطوائف العراقية، وكان يسعى لرفع مستوى معيشة الفقراء إلى مستوى الأغنياء ، ولم يفعل أي شئ لمصلحته الذاتية.

• حاول البارزاني تحقيق تجربة مماثلة في العراق أي تجربة جمهورية مهاباد الكردية، ثم قاسم قام بحملة عسكرية على معاقل البارزاني عام 1961، ما هي أهم العوامل التي تسببت في نشوب الحرب بين الطرفين؟.

بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحكومة عبد الكريم قاسم بالتدهور عام 1961، عندما هاجمت صحيفة الحزب [خه بات] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد، واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة.
كان الرد من قِبل عبد الكريم قاسم أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد، وغلق صحيفة الحزب، واعتقال بعض قادته في آذار 1961، واستمرت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام .
وفي 20 تموز 961 ، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى الزعيم عبد الكريم
طالبت بتطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت المتعلقة بالشعب الكردي. وسحب القوات العسكرية المرسلة إلى كردستان، وسحب المسؤولين عن شؤون الأمن والشرطة والإدارة الذين كان لهم دور بارز في الحوادث التي وقعت في كردستان، وإعادة الموظفين الأكراد المبعدين إلى كردستان، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية، و إنهاء فترة الانتقال، وانتخاب مجلس تأسيسي، وسن دستور دائم للبلاد.
لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران في أول الأمر، حيث كانت قد اندلعت حركة تمرد رجعية بقيادة اثنان من كبار الإقطاعيين هما [رشيد لولان ] و [عباس مامند] بدعم وإسناد من النظام الإيراني، والسفارة الأمريكية في طهران، وقد أستهدف رشيد لولان وعباس مامند إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية وعميلها شاه إيران زعزعة النظام الجديد في العراق وإسقاطه.
أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في 6 أيلول 961 ، حيث توقفت كافة الأعمال، و أصاب المنطقة شلل تام، وقام المسلحون الأكراد باحتلال مناطق واسعة من كردستان حاملين السلاح بوجه السلطة.
كما أن عبد الكريم قاسم فضل هو الآخر اللجوء إلى استخدام القوة ورفض الحوار، وحل المشاكل مع القيادة الكردية، وإيجاد الحلول الصائبة للقضية الكردية، حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المؤقت.

حامد الحمداني
www.hamid-Alhamdany.com
Opinions