Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

سنوات الجحيم أربعون عاماً من حكم البعث الفاشي في العراق /الحلقة /3

27/2/2010
: دستور حزب البعث:
بعد تأسيس ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار لحزب البعث في 7نيسان 1947 كان لابد من وضع ميثاق للحزب ، وقد عكف ميشيل عفلق على وضع ذلك الميثاق الذي دعاه [ دستور الحزب] وجاء الدستور من بناة أفكاره ، وقد جرى اتخاذه بعد توحيد حزب البعث مع حزب أكرم الحوراني[الحزب الاشتراكي] وتشكيل[حزب البعث العربي الاشتراكي]من دون إجراء أي تغيير عليه، وقد وجدت من الضروري أن يتضمن البحث في تاريخ حزب البعث نص الدستور لكي يطلع القراء والمتتبعون على الفكر الحقيقي لقادة البعث، وعلى رأسهم ميشيل عفلق من جهة، وعلى الواقع العملي لتاريخ حزب البعث خلال أربعين عاما من حكمهم للعراق وسوريا من جهة أخرى.
نص الدستور
المادة1: حزب البعث العربي الاشتراكي، حزب عربي شامل تُؤسس له فروع في سائر الأقطار العربية ، وهو لا يعالج السياسة القطرية إلا من وجهة نظر المصلحة العربية العليا.
المادة2: مركز الحزب العام هو حاليا دمشق، ويمكن أن ينقل إلى أي مدينة عربية أخرى إذا اقتضت المصلحة القومية.
المادة3: حزب البعث العربي الاشتراكي قومي يؤمن بأن القومية حقيقة حية خالدة، وبأن الشعور القومي الواعي الذي يربط الفرد بأمته ربطاً وثيقاً هو شعور مقدس حافل بالقوى الخالقة ، حافز على التضحية، باعث على الشعور بالمسؤولية، عامل على توجيه إنسانية الفرد توجيهاً عملياً مجدياً، والفكرة القومية التي يدعو إليها الحزب هي إرادة الشعب العربي أن يتحرر ويتوحد، وأن تُعطى له فرصة تحقيق الشخصية العربية في التاريخ، وأن يتعاون مع سائر الأمم على كل ما يضمن للإنسانية سيرها القويم إلى الخير والرفاهية.
المادة4:حزب البعث العربي الاشتراكي،اشتراكي يؤمن بأن الاشتراكية ضرورة منبعثة من صميم القومية العربية، لأنها النظام الأمثل الذي يسمح للشعب العربي بتحقيق إمكاناته، وتفتح عبقريته على أكمل وجه، فيضمن للأمة العربية نمواً مطرداً في إنتاجها المعنوي والمادي، وتآخيا وثيقاً بين أفرادها.
مادة 5: حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب، وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة، وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير، كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها، لذلك يعتمد الحزب على أداء رسالته على الشعب، ويسعى للاتصال به اتصالاً وثيقاً، ويعمل على رفع مستواه العقلي والأخلاقي والاقتصادي والصحي، لكي يستطيع الشعور بشخصيته، وممارسة حقوقه في الحياة الفردية والقوم
المادة6: حزب البعث العربي الاشتراكي انقلابي يؤمن بأن أهدافه الرئيسية في بعث القومية وبناء الاشتراكية لا يمكن أن تتم إلا عن طريق الانقلاب والنضال، وإن الاعتماد على التطور البطيء، والاكتفاء بالإصلاح الجزئي السطحي يهددان هذه الأهداف بالفشل والضياع لذلك فهو يقرر:
ـ النضال ضد الاستعمار الأجنبي لتحرير الوطن العربي تحريراً مطلقاً كاملاً.
ـ النضال لجمع شمل العرب كلهم في دولة واحدة.
ـ الانقلاب على الواقع الفاسد يشمل جميع مناحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
المادة 7: الوطن العربي هو البقعة التي تسكنها الأمة العربية، والتي تمتد ما بين جبال طوروس وجبال بشتكويه، وخليج البصرة، والبحر العربي، والصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط
المادة8: لغة الدولة الرسمية ولغة المواطنين المعترف بها في الكتابة والتعليم هي اللغة العربية.
المادة9: راية الدولة العربية هي راية الثورة العربية التي انفجرت عام 1916 لتحرير الأمة العربية وتوحيدها.
المادة10: العربي هو كل من كانت لغته العربية، وعاش في الأرض العربية ، أو تطلع إلى الحياة فيها، وآمن بانتسابه للأمة العربية.
المادة11: يجلى عن الوطن العربي كل من دعا ، أو انضم إلى تكتل عنصري ضد العرب،وكل من هاجر إلى الوطن العربي لغاية استعمارية
المادة12: تتمتع المرأة العربية بحقوق المواطن كلها، والحزب يناضل لرفع مستوى المرأة حتى تصبح جديرة بتمتعها بهذه الحقوق. .
المادة 13: تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم والحياة الاقتصادية كي يظهر المواطنون في جميع مجالات النشاط الإنساني كفاءاتهم على وجهها الحقيقي وفي حدود النص في حدودها القصوى.
المادة 14: نظام الحكم في الدولة العربية هو نظام نيابي دستوري، والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب.
المادة 15:الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين، وانصهارهم في بوتقة أمة واحدة، وتكافح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية .
المادة16: نظام الإدارة في الدولة العربية نظام لا مركزي.
المادة 17: يعمل الحزب على تعميم الروح الشعبية [حكم الشعب] وجعلها حقيقة حية في الحياة الفردية، ويسعى إلى وضع دستور للدولة يكفل للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير بملء الحرية عن إرادتهم، واختيار ممثليهم اختياراً صادقاً، ويهيئ لهم بذلك حياة حرة ضمن نطاق القوانين.
المادة 18: يوضع بملء الحرية تشريع موحد للدولة العربية منسجم مع روح العصر الحاضر، وعلى ضوء تجارب الأمة العربية في ماضيها .
المادة19: السلطة القضائية مصونة ومستقلة عن أية سلطة أخرى، وهي تتمتع بحصانة مطلقة. .
المادة 20: تمنح حقوق المواطنين كاملة لكل مواطن عاش في الأرض العربية، وأخلص للوطن العربي، وانفصل عن كل تكتل عنصري .
المادة 21: الجندية إجبارية في الوطن العربي.
المادة22: تستوحي السياسة الخارجية للدولة العربية من المصلحة القومية العربية، ومن رسالة العرب الخالدة، التي ترمي إلى المساهمة مع الأمم الأخرى في إيجاد عالم منسجم حر آمن يسير في سبيل التقدم .
المادة23: يناضل العرب بكل قواهم لتقويض دعائم الاستعمار والاحتلال وكل نفوذ سياسي أو اقتصادي أجنبي في بلادهم. .
المادة 24: لما كان الشعب العربي وحده مصدر كل سلطة لذلك تلغى كل ما عقدته الحكومات من معاهدات وصكوك تخل بسيادة العرب .
المادة25: إن السياسة العربية الخارجية تستهدف إعطاء الصورة الصحيحة عن إرادة العرب بأن يعيشوا أحراراً، وعن رغبتهم الصادقة بأن يجدوا جميع الأمم تتمتع مثلهم بالحرية.
المادة 26: حزب البعث العربي الاشتراكي، اشتراكي يؤمن بأن الثروة الاقتصادية في الوطن ملك للأمة . .
المادة 27: إن التوزيع الراهن للثروات في الوطن العربي غير عادل ولذلك يعاد النظر في أمرها وتوزع بين المواطنين توزيعاً عادلاً .
المادة 28: المواطنون جميعاً متساوون بالقيمة الإنسانية، ولذا فالحزب يمنع استثمار جهد الآخرين. .
المادة29: المؤسسات ذات النفع العام، وموارد الطبيعة الكبرى، ووسائل الإنتاج الكبيرة، ووسائل النقل، ملك للأمة تديرها الدولة مباشرة، وتلغى الشركات والامتيازات الأجنبية . .
المادة30: تحدد الملكية الزراعية تحديداً يتناسب مع مقدرة المالك على الاستثمار الكامل دون استثمار جهد الآخرين تحت إشراف الدولة، ووفق برنامجها الاقتصادي العام. .
المادة 31: تحدد الملكية الصناعية الصغيرة بما يتناسب مع المستوى الاقتصادي الذي يتمتع به بقية المواطنين في الدولة. .
المادة 32: يشترك العمال في إدارة المعمل، ويمنحون عدا أجورهم التي تحددها الدولة نصيباً من أرباح العمل تحدد الدولة نسبته .
المادة 33: ملكية العقارات المبنية مباحة للمواطنين جميعاً على أن لا يحق لهم إيجارها واستثمارها على حساب الآخرين، وأن تضمن الدولة حداً أدنى من التملك العقاري للمواطنين جميعاً. .
المادة 34: التملك والإرث حقان طبيعيان ومصونان في حدود المصلحة القومية.
المادة 35: يلغى الربا بين المواطنين، ويؤسس مصرف حكومي واحد يصدر النقد الذي يضمنه الإنتاج القومي، ويغذي المشاريع الزراعية والصناعية الضرورية.
المادة36: تشرف الدولة إشرافاً مباشراً على التجارتين الداخلية والخارجية لإلغاء الاستثمار بين المنتج والمستهلك، وحمايتهما وحماية الإنتاج القومي من مزاحمة الإنتاج الأجنبي، وتأمين التوازن بين الصادر والوارد .
المادة 37: يوضع برنامج شامل على ضوء أحدث التجارب والنظريات الاقتصادية لتصنيع الوطن العربي، وتنمية الإنتاج القومي وفتح آفاق جديدة له وتوجيه الاقتصاد الصناعي في كل قطر بحسب إمكاناته وبحسب توافر المواد الأولية فيه.
المادة 38: الأسرة والنسل والزواج: .
البند الأول: الأسرة خلية الأمة الأساسية، وعلى الدولة حمايتها وتنميتها وإسعادها.
البندالثاني: النسل أمانة في عنق الأسرة أولا، والدولة ثانيا،ً وعليهما العمل على تكثيره، والعناية بصحته وتربيته. .
البندالثالث:الزواج واجب قومي وعلى الدولة تشجيعه وتسهيله ومراقبته.
المادة 39: صحة المجتمع: .
تنشئ الدولة على نفقتها مؤسسات الطب الوقائي والمصحات والمستشفيات التي تفي بحاجات المواطنين كلهم على الوجه الأكمل، وتضمن لهم المعالجة المجانية.
المادة 40: العمل: .
البند الأول: العمل إلزامي على كل من يستطيعه، وعلى الدولة أن تضمن عملاً فكرياً أو يدوياً لكل مواطن. .
البند الثاني: يجب أن يكفل مورد العمل لعامله على الأقل مستوى لائقاً من الحياة. .
البندالثالث: تضمن الدولة معيشة العاجزين عن العمل جميعاً.
البندالرابع: سن تشريع عادل للعامل يحدد ساعات العمل اليومي، ويمنحه عطلة أسبوعية وسنوية مأجورتين، ويصون حقوقه ويكفل التأمين الاجتماعي في الشيخوخة، وتعويض العطل الجزئي أو الكلي .
البند الخامس: تأليف نقابات حرة للعمال والفلاحين وتشجيعها لتصبح أداة صالحة للدفاع عن حقوقهم، ورفع مستواهم، وتعهد كفاءاتهم وزيادة الفرص الممنوحة لهم وخلق روح التضامن بينهم وتمثيلهم في محاكم العمل العليا.
البند السادس: تأليف محاكم خاصة للعمل تمثل فيها الدولة ونقابات العمال والفلاحين، وتفصل في الخلافات التي تقع بينهم وبين مديري المعامل وممثلي الدولة. .
المادة41: ثقافة المجتمع: .
البند الأول: يعمل الحزب في سبيل إيجاد ثقافة عامة للوطن العربي قومية ـ عربية ـ حرة ـ تقدمية ـ شاملة ـ عميقة ـ وإنسانية في مراميها، وتعميمها في جميع أوساط الشعب. .
البند الثاني : الدولة مسؤولة عن صيانة حرية القول والنشر والاجتماع والاحتجاج والصحافة، في حدود المصلحة القومية العربية العليا، وتقديم كل الوسائل والإمكانيات التي تحقق هذه الحرية. .
البند الثالث: العمل الفكري من أقدس أنواع العمل، وعلى الدولة أن تحمي المفكرين والعلماء وتشجعهم. .
البند الرابع: فسح المجال في حدود الفكرة القومية العربية لتأسيس النوادي وتأليف الجمعيات والأحزاب ومنظمات الشباب ومؤسسات السياحة والاستفادة من السينما والإذاعة والتلفزيون وكل وسائل المدنية الحديثة في تعميم الثقافة القومية وترفيه الشعب. .
المادة 42: إلغاء التفاوت الطبقي والتمايز: .
التمايز الطبقي نتيجة لوضع اجتماعي فاسد.. لذلك فالحزب يناضل في صف الطبقات الكادحة المضطهدة من المجتمع حتى يزول هذا التفاوت والتمايز، ويستعيد المواطنون جميعاً قيمتهم الإنسانية كاملة، وتتاح لهم الحياة في ظل نظام اجتماعي عادل لا ميزة فيه لمواطن على آخر سوى كفاءة الفكر ومهارة اليد. .
المادة43: البداوة حالة اجتماعية ابتدائية تضعف الإنتاج القومي، وتجعل من فريق كبير من الأمة عضواً أشل، وعاملاً على عرقلة نموها وتقدمها، والحزب يناضل في سبيل تحضير البدو، ومنحهم الأراضي وإلغاء النظم العشائرية، وتطبيق قوانين الدولة عليهم.
المادة 44: طبع كل مظاهر الحياة الفكرية والاقتصادية والسياسية والعمرانية والفنية بطابع قومي عربي يعيد للأمة صلتها بتاريخها المجيد، ويحفزها إلى أن تتطلع إلى مستقبل أمجد وأمثل ..
المادة 45: التعليم وظيفة من وظائف الدولة وحدها، ولذا تلغى كل مؤسسات التعليم الأجنبية والأهلية.
المادة 46: التعليم بكل مراحله مجاني للمواطنين جميعاً، وإلزامي في مراحله الابتدائية والثانوية..
المادة 47: تؤسس مدارس مهنية مجهزة بأحدث الوسائل، والدراسة فيها مجانية.
المادة 48: حصر مهنة التعليم وكل ما له مساس بالتربية بالمواطنين العرب ويستثنى من ذلك التعليم العالي.
مادة منفردة: تعديل الدستور: .
لا تعدل المبادئ الأساسية والعامة، وتعدل بقية مواد الدستور بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الحزب بعد اقتراح يقدم من اللجنة التنفيذية، أو ربع أعضاء المجلس، أو عشر أعضاء الهيئة العامة.
رابعاً: نشر بذور حزب البعث في العراق ولبنان والأردن
من أجل تحقيق دعواته لوحدة الأمة العربية سعى عفلق لنشر أفكاره في مختلف البلدان العربية، مستفيداً من الأحداث التي جرت في فلسطين عام 1948، عندما قامت بريطانيا بالانسحاب منها، وتسليم أسلحتها للمنظمات الصهيونية الإرهابية، حيث تم إعلان قيام دولة إسرائيل فور خروج القوات البريطانية من فلسطين، وشنت هذه المنظمات حملة تقتيل وتهجير واسعة النطاق لأبناء الشعب الفلسطيني الذين هربوا بجلدهم من بطش تلك المنظمات الإرهابية، ولجئوا إلى البلدان العربية المجاورة، وعاشوا في المخيمات انتظاراً للحكام العرب لكي يعيدونهم إلى مدنهم وقراهم في وطنهم فلسطين.
لكن الحكام العرب كانوا جزءاً من المؤامرة الإمبريالية لإقامة دولة إسرائيل، فكان إرسال القوات العسكرية التي أرسلوها إلى فلسطين للقتال ضد المنظمات الصهيونية عبارة عن مسرحية أعدت في لندن وواشنطن، حيث لم يسمح للقوات العربية أن تقوم بدورها المطلوب، وقد جرى تسليم قيادتها للقائد البريطاني كلوب باشا رئيس أركان الجيش الأردني، والملك عبد الله جد الملك حسين الذي كان على تواصل مستمر مع قيادات المنظمات الصهيونية.
وهكذا بقي اللاجئون الفلسطينيون منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا في الشتات يعيشون في المخيمات التي لا تتوفر فيها ابسط الشروط الصحية، ولا مقومات الحياة الكريمة، وما زالت إسرائيل ترفض عودتهم إلى مدنهم وقراهم في إطار أي حل للقضية الفلسطينية.
أحدث تآمر الحكام العرب وتخاذلهم موجة عارمة من المظاهرات التي عمت العالم العربي منددة بالإمبرياليين الأمريكيين والبريطانيين، وخدمهم الحكام العرب، وظهرت دعوات داخل الوطن العربي لإجراء تغيير للأنظمة القائمة آنذاك.
وهكذا بدأت بذور حزب البعث تنبت في الدول المجاورة لسوريا والمتمثلة بالعراق ولبنان والأردن في بادئ الوقت، ومن ثم بدأت تتغلغل في العديد من البلدان العربية الأخرى.

خامسا: تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق
كان بداية نشر بذور حزب البعث في العراق بعد ذلك المد القومي الذي اجتاح العالم العربي كما أسلفنا، من خلال الطلاب الذين كانون يدرسون في العراق، وكان أول من زرع بذور الحزب في العراق ثلاثة من أبناء لواء الاسكندرون هم[فائز إسماعيل] الطالب في كلية الحقوق في بغداد و[وصفي الغانم] الطالب في دار المعلمين العالية، وهو شقيق [وهيب الغانم] أحد ابرز المؤسسين للخلايا البعثية الأولى، وعضو قيادة البعث السوري، والشاعر الحلبي سليمان العيسى. (10)
وكانت بدايات نشوء خلايا الحزب في منطقة الأعظمية ببغداد، ثم ما لبثت أن انتشرت بين الطلاب القريبين من حزب الاستقلال القومي بزعامة[محمد مهدي كبة] وحتى من المنتمين لهذا الحزب، في بعض المدن الأخرى كالموصل والبصرة والرمادي والناصرية.
بدأ تنظيم حزب البعث في العراق عام 1950 بزعامة [فائز الغانم] في بادئ الأمر، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى طالب الحقوق[عبد الرحمن الضامن] وهو مواطن عراقي من بغداد، لكن القيادة ما لبثت أن انتقلت إلى المهندس [فؤاد الركابي] وهو شيعي من الناصرية في الحادية والثلاثين من العمر، وذلك عام 1951، واستمر في قيادة الحزب حتى عام 1959.
كان فؤاد الركابي قد تشبع بالفكر القومي، حيث كان قريبا من حزب الاستقلال القومي لكنه لم ينضم إلى الحزب المذكور، بل انتمى إلى حزب البعث مباشرةً في عام 1950، واستطاع بنشاطه واندفاعه أن يتولى قيادة الحزب بعد سنة واحدة من انتمائه على أثر مرض عبد الرحمن الضامن وتركه الحزب، وفي عهد قيادته توسعت قاعدة الحزب التي كانت تضم ما يقارب 50 عضواً، حيث تجاوز عددهم الضعف عام 1952 ، ومن ثم بلغ تعداد أعضائه فيما بعد 289 عضواً في عام 1955 باستثناء المؤيدين وغالبيتهم من الطلاب، وقد جرى اعتراف قيادة الحزب في سوريا بحزب البعث العراقي كفرع للحزب، واتخذت قيادة الحزب من أسلوب تنظيمات الحزب الشيوعي الشيء الكثير، ولاسيما وأن الحزب كان يمارس نشاطه بصورة سرية شأنه شأن الحزب الشيوعي، فكان لا بد من اختيار الوسائل التي تحافظ على التنظيم من الانكشاف أمام السلطات الأمنية آنذاك.
وعلى اثر تشكيل حزب البعث في الأردن عام 1947، وتشكيل الحزب في لبنان عام 1949، وتشكيل الحزب في العراق عام 1950، وتوسع قاعدة ونشاطات الحزب خلال الأعوام الثلاثة التالية، تم الإعلان عن تأسيس القيادة القومية للحزب عام 1954، وقد ضمت القيادة أمناء سر القيادات القطرية بالإضافة إلى عدد من القيادات الحزبية الأخرى الذين جرى اختيارهم من قبل أمناء سر القيادات القطرية. (11)
ركز فؤاد الركابي جهده لتوسيع صلاته بالأحزاب الوطنية الفاعلة على الساحة العراقية والمتمثلة بالحزب الشيوعي بقيادة سلام عادل [حسين محمد الرضي]،والحزب الوطني الديمقراطي بزعامة[ كامل الجادرجي]
وحزب الاستقلال بزعامة [محمد مهدي كبة]، حيث تكللت جهود الجميع في إقامة جبهة الاتحاد الوطني عام 1957، والتي استطاعت بدورها إجراء التنسيق مع اللجنة العليا للضباط الأحرار بزعامة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم الذي استطاع بنجاح قيادة ثورة 14 تموز عام 1958. وتم تشكل أول حكومة عراقية خارج إرادة السفارة البريطانية في بغداد وضمت الوزارة أعضاء من كافة الأحزاب المنضوية لجبهة الاتحاد الوطني باستثناء الحزب الشيوعي، حيث اكتفى عبد الكريم قاسم بتعيين الماركسي القريب من الحزب [إبراهيم كبه] وزيرا للاقتصاد، وكان تعليل ذلك بسبب الوضع الخطير الذي كان يحيط بالثورة من قبل القوى الإمبريالية التي كانت متوثبة لإجهاض الثورة الوليدة.
كما شغل فؤاد الركابي منصب وزير الإعمار، وشغل زعيم حزب الاستقلال عضوية مجلس السيادة الذي كان يقوم مقام رئاسة الجمهورية،أما الحزب الوطني الديمقراطي فقد مثله في الوزارة كل من [محمد حديد]و[هديب الحاج حمود] فيما مثل الأكراد [خالد النقشبندي] عضوا في مجلس السيادة ، و[بابا علي الشيخ محمود] وزيرا للاشغال.
لكن فوأد الركابي الذي شغل مركز الأمين العام للقيادة القطرية لم يلبث أن استقال من الوزارة مع عدد من الوزراء القوميين بسبب الموقف الرسمي للحكومة العراقية من عبد الناصر، الذي تدخل بشكل فض في الشؤون الداخلية للعراق، وقدم الدعم المادي والإعلامي والسلاح للحركة الانقلابية في الموصل التي تزعمها العقيد عبد الوهاب الشواف، ثم ما لبث أن ترك الحزب على أثر حدوث الخلافات بين أعضاء القيادة، وجرى انتخاب علي صالح السعدي أمينا عاما للحزب، وقاد الحزب بعد انقلاب الثامن من شباط 1963 الذي أوصلهم إلى السلطة، والذي قال عنه السعدي نفسه قولته المشهورة:
[ لقد جئنا إلى الحكم بقطار أمريكي].
وقد دام حكم حزب البعث تسعة أشهر كان انجازه الوحيد خلالها هو تنفيذ المهمة التي |أوكلتها لهم الإمبريالية الأمريكية بشن الحرب الدموية ضد الحركة الشيوعية في العراق، والتنكيل بكل من يمت بصلة بالحزب الشيوعي من قريب أو بعيد سجناَ وتعذيبا وقتلا، وإعدام الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه قادة ثورة الرابع عشر من تموز دون محاكمة، وشن الحرب ضد الشعب الكردي المطالب بحقوقه القومية، وملء السجون بعشرات الألوف من المواطنين، وسأتناول تفاصيل كل ما جرى في فصول قادمة.
سادساً: الصراعات والانشقاقات داخل قيادات حزب البعث
لم تكد الوحدة المصرية السورية أن تنفرط على اثر الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم زهر الدين في سوريا حتى دبت الخلافات بين قادة الحزب في سوريا، والتي بدورها قادت إلى الانشقاقات المتعددة.
فقد ظهرت ثلاثة مواقف متباينة داخل قيادة الحزب تجاه الموقف من الانفصال، فقد دعا قادة الاتجاه الأول إلى عودة الوحدة مع مصر ، فيما طالب قادة الاتجاه الثاني بقيادة أكرم الحوراني بضمانات لعدم العودة للوضع السابق وعودة الهيمنة المصرية المطلقة على سوريا.
أما الاتجاه الثالث الذي قاده ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار فقد دعا إلى التمسك بخط القيادة القومية الذي يمثلانه، ووقفت إلى جانبهما القيادة القطرية في العراق بقيادة فوأد الركابي، وقد دعا عفلق والبيطار إلى عقد المؤتمر القومي الخامس في أيار 1962.
لكن المؤتمر لم يستطع الحفاظ على وحدة الحزب، بل على العكس من ذلك انفض المؤتمر وقد انشق إلى ثلاث كتل.
فقد انشقت الكتلة الأولى التي عارضت الانفصال عن الحزب مكونة تنظيماً جديداً تحت اسم [حركة الوحدويين الاشتراكيين].
كما انشقت الكتلة الثانية التي عارضت حل الحزب، وأعلنت نفسها القيادة التي تمثل الحزب تحت اسم [القيادة القطرية السورية] محملة قيادة عفلق والبيطار والحوراني مسؤولية حل الحزب.
أما كتلة أكرم الحوراني فقد أعلنت عن تأسيس [حركة الاشتراكيين العرب] عام 1962.
وفي الثامن من شباط 1963 وقع انقلاب عسكري في العراق ضد حكومة الشهيد عبد الكريم قاسم قائد ثورة الرابع عشر من تموز، قاده حزب البعث بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا، واستولى على مقاليد الحكم في البلاد.
وفي الثامن من آذار1963[أي بعد مرور شهر على انقلاب العراق] وقع انقلاب عسكري قاده الجناح العسكري لحزب البعث بقيادة[صلاح جديد] و[حافظ الأسد] ،ورغم عودة جناح عفلق والبيطار إلى قيادة الحزب إلا أن العسكريين ما لبثوا أن انقلبوا على قيادة عفلق والبيطار في 23 شباط 1964، بعد أقل من عام من وقوع الانقلاب.
وهكذا انشق الحزب إلى جناحين، الجناح الأول المتمثل بالعسكريين الممسكين بزمام الحكم في سوريا، والجناح الثاني المتمثل بالقيادة القومية التي ضمت القيادة التاريخية لحزب البعث.
وبسبب وقوف القيادة القطرية لحزب البعث في العراق إلى جانب القيادة التاريخية لعفلق والبيطار، فقد أقدمت القيادة السورية التي كان على رأسها صلاح جديد ونور الدين الأتاسي إلى إصدار قرار بفصل [أحمد حسن البكر] من الحزب، مما أدى إلى انشقاق عفلق والبيطار عن الحزب، حيث أصبح للحزب قيادتين قوميتين، القيادة الأولى بزعامة عفلق، والثانية بزعامة [نور الدين الأتاسي]، وقد عقدت قيادة الفريق الأول مؤتمرها القومي التاسع في شباط 1968، والذي شاركت فيه القيادة القطرية في العراق، وجرى استبعاد [حافظ الأسد] و[إبراهيم ناصر] من القيادة القومية، في حين عقدت قيادة الفريق الثاني مؤتمرها التاسع في تموز 1968، حيث اتخذ قرارا بفصل القيادة التاريخية للحزب.

ولم يكد حزب البعث العراقي يعود إلى الحكم بعد الانقلاب العسكري الذي جرى في العراق في 17 تموز 1968 بقيادة مجموعتي عبد الرزاق النايف وحزب البعث، الذي انقلب على شريكه النايف بعد ثلاثة عشر يوماً، وقاد انقلاباَ ثانياً في 30 تموز، وتم إبعاد النايف عن الحكم، وجرى تسفيره إلى لندن ، ثم ما لبث حزب البعث أن دبر عملية اغتياله في لندن وبذلك سيطر الحزب على الحكم دون منازع، وانتخب قيادة قومية مركزها العراق. أما ميشيل عفلق فقد آثر الإقامة في لبنان،حيث بقي هناك حتى عام 1975 ، لكنه انتقل إلى العراق بعد نشوب الحرب الأهلية في لبنان، وبقي هناك بصفته القائد المؤسس، لكن القيادة الحقيقية كانت لأحمد حسن البكر، ومن ثم لصدام حسين، وعاش عفلق في بغداد حتى وفاته.
أما القيادة القومية في سوريا فقد تعرضت مرة أخرى نتيجة للصراعات الداخلية على السلطة هزة عنيفة على أثر قيام حافظ الأسد بانقلاب على قيادة [صلاح جديد] دعاه بـ [الحركة التصحيحية] وأقدم على سجن القيادة القومية السابقة لسنوات طويلة، ومات صلاح جديد في السجن، وجرى تشكيل قيادة قومية جديدة بزعامة [حافظ الأسد] وعضوية[عبد الحليم خدام] و[عبد الله الأحمر] و[محمد حيدر] وآخرين،واستطاع حافظ الأسد أن يمسك بزمام السلطة في سوريا بيد من حديد، ويقمع أية معارضة لحكمه سواء جاءت من بين صفوف حزب البعث أم من أي جهة سياسية أخرى، وكانت أجهزته القمعية ومخابراته المختلفة تترصد كل صغيرة وكبيرة لحماية حكمه، حيث استمر في حكم البلاد حتى وفاته في 11 حزيران 2000، وكان قبل وفاته قد هيأ ابنه البكر باسل الأسد لتولي السلطة من بعده.
لكن باسل قُتل في ظروف غامضة، وقيل انه قتل بحادث سيارة في طريق المطار، وبدأ حافظ الأسد يعد ولده الأصغر بشار لتولي السلطة من بعده، وعند وفاته كان بشار دون السن القانونية التي تؤهله لرئاسة الجمهورية حسبما نص عليه الدستور، مما تطلب دعوة البرلمان بصورة عاجلة ، وبأمر من قيادة الحرس الجمهوري، لتعديل الدستور، حيث اجتمع البرلمان، وقرر خلال مدة لا تزيد على عشر دقائق على تعديل الفقرة الخاصة بعمر المرشح لمنصب رئاسة الجمهورية، لكي يتسنى للبرلمان انتخاب بشار رئيساً للجمهورية ، على الرغم من وجود من هو أجدر منه في صفوف الحزب، وأكثر منه خبرة وتجربة.

أما في الجانب العراقي فقد حدثت صراعات داخل الحزب بعد تسلم الحزب السلطة بانقلاب عسكري في 8 شباط 1963 بين الجناح المدني من جهة، وبين الجناح المدني والجناح العسكري من جهة أخرى مما مهد السبيل لعبد السلام عارف ليقوم بانقلابه العسكري على سلطة حزب البعث في 17 تشرين الثاني من نفس العام، وانضمام جانب كبير من الجناح العسكري للحزب إلى حركة عبد السلام عارف، فيما قاد علي صالح السعدي والعديد من رفاقه العراقيين والسوريين وبعض البلدان العربية انشقاقا عن الحزب، وشكلوا حزبا جديدا ذو توجه يساري أطلق عليه أسم [حزب البعث العربي الاشتراكي اليساري]، وتبنى الحزب النظريةالماركسية.
لكن الحزب لم يلبث أن تلاشى بعد أن حكم الثنائي أحمد حسن البكر وصدام حسين العراق بيد من حديد، حيث جرى تصفية كل المجموعات المعارضة لقيادتهما بصورة وحشية سواء بين صفوف حزب البعث، أو بين صفوف القوى والأحزاب الوطنية.
Opinions