Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

علاوي الجريح يعلن قادسيته الأخيرة

11 حزيران 2011

من يقرأ خطاب الدكتور أياد علاوي الذي صدر أمس (1) يتذكر فوراً خطابات صدام حسين خلال قادسيته "المجيدة". الكلمات نفسها، الكذب نفسه، التهويل نفسه والتثوير والعنجهية ...هي هي..
" يا شعبَنا العراقيَّ الكريمَ الجريح...ياشعبَنا الصابرَ على الظلمِ والاستبداد....لقد تجاوز البغاة اليوم كل الخطوط وكل القيم.. قيم السماء وقيم الارض.. والله اكبر.. فقد تجاوز الطاغون المدى، عبثوا في البلاد واشاعوا فيها الشر وأذاقوا الشعب القهر وأهانوا كرامة الامة.. .... وعملوا في العراق نهباً وحرقاً وهدراً للدماء ونشر المهانة حيثما حلوا... واحرقوا الحرث والنسل... (ثم ليتحول بعد ذلك إلى حسني مبارك).. ليلحقوا الاذى والنهب بعراقنا الحبيب الذي قاتلنا من اجله ولاجله طيلة حياتنا لندفع عنه غائلة الخوف والعوز والفقر، وقاتلنا الظلم والدكتاتورية وكدنا ان نفقد حياتنا اكراماً واجلالاً وتقديساً لشعبنا العظيم وقيمه الأعظم....
أياد علاوي، قاتل طيلة حياته (بضمنها سنوات "حنين" إذن)، ليدفع "غائلة الخوف والعوز والفقر" عن شعبه!
ثم يتخذ، مثل كل الزعماء الكذابين، صورة "الزعيم المؤمن" ليتحدث عن الذين: "يمكرون ويمكر الله.. والله خير الماكرين.. والله اكبر.. الله اكبر على من ظلم ومن كذب"، ويعود لسيد الشهداء و "هيهات منا الذلة"، ويوم الحساب..الخ.
يستمر علاوي في خطابه "العجيب" المنفلت من أية حدود، عن "خفافيش الظلام" الذين لفقوا له "التهم الكاذبة" و "الصور الباطلة" التي له "منها مئات ألوف مع أبناء شعبه". وطبعاً لم يقل إن كانت تلك المئات من الألوف، هي من رفاقه، قياديي حزبه. وكأن من قدم الصور، استغل صورة التقطت لوجوده بالصدفة في الشارع بالقرب من أحد المجرمين التائهين. البارحة كان هو وأصحابه منزعجين أشد الإنزعاج، وقدموا الإحتجاجات، لأن "جماعة المالكي" مزقت صوره وضربتها بالأحذية، ولم يتذكر طبعاً ما فعل "جماعته" بصور غريمه من تشويه وتزوير باسم حرية الرأي، فلماذا لا تكون هذه حرية رأي أيضاً؟
يهاجم علاوي المالكي لأنه "لم يناقش برنامجه مع وزرائه" لأنه دكتاتور! أنا بالتأكيد لست معجب بديمقراطية المالكي، خاصة عندما يشعر بالسيطرة، وقد كتبت عن ذلك، ولا أستطيع كذلك أن ادعي أنه كان ممتازاً أو شفافاً في حكمه، لكن إن كان علي أن اختار بينه وبين ما أسميته يوماً "قطار من الفضائح" فليس هناك أي مجال للخيار. إن كان علي ان اختار بين ديمقراطية المالكي التي تحتاج الكثير، وبين الرجل الوحيد الذي هرب منه وفي كل فترة، أهم من وضعوا أنفسهم تحت قيادته لأنهم لم يتحملوا دكتاتوريته وغطرسته ولأنه كان يقودهم بالتلفون من الأردن، فلم يره لا "شعبه الذي قضى عمره يناضل من اجله" ولا حتى رفاقه، الرجل الذي وصفه رفاق هربوا من طغيانه بأنك "لا تعلم حتى بماذا يفكر"! ثم يأتي يبكي على نقص الديمقراطية ويهاجم الدكتاتورية، فهو الضحك على الذقون بعينه.
الرجل الذي لا يكاد يقول الصدق حتى بالخطأ، يشكو من كذب الآخرين. قبل أسبوع كان يهدد بالإنسحاب، ويضع الحدود الزمنية والإنذارات الأخيرة، ليقول أمس بأنه ليس هناك صحة حتى لفكرة إنسحاب من الحكومة! الرجل الذي لا يكاد العراقيون يروه في البلاد، والرجل الذي يفخر بأنه يتعامل مع ستة أو سبعة وكالات مخابرات اجنبية، يتهم خصمه بأنه "اعتمد على الأجنبي"! والأدهى من هذا أنه يعود في نفس الخطاب ليستنجد بـ "المجتمع الدولي" ويستهجن "السكوت الدولي" مذكراً أيانا، إن نسينا، كيف أنه كان يريد تدويل العراق قبل بضعة أشهر، وكيف كان يطالب أميركا "بتحمل مسؤوليتها" (بإعادته إلى السلطة مع بقية رجال الأمن الصدامي) ، ثم يتحدث عن الإعتماد على الأجنبي! فهل هناك صلافة أكبر من هذه؟
وبعد ذلك ينتهي الرجل من خطابه بنفس تعابير رفيقه القديم ، ويتحدث عن "النصر" والخلود والعزة و حرائر العراق ...! ربما نفهم صدام الذي يتحدث هكذا عندما كان في حرب، أما هذا الرجل، فعن أي حرب يتحدث، وأي نصر؟
ولعلها مصادفة غريبة ، وقد لا تكون، أن هذا الإنفجار العصبي يأتي في لحظة قامت الحكومة العراقية بطرد عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي من العراق، وهو ما يحدث لأول مرة، رغم أنها أمنية كل الشعب تجاه الغطرسة الكريهة لهؤلاء. وهي تذكرنا بمرة واحدة سابقة هددت فيها الحكومة بطرد السفير الأمريكي الذي عبر كل حدود اللياقة والدبلوماسية في جهوده لدعم نفس أياد علاوي هذا (الذي "لا يعتمد على الأجنبي" في الوصول إلى السلطة) بعد أن لم تكف تزوير الإنتخابات لإيصاله إليها، فلم يكن هناك من يثق به، رغم الإغراءات والضغوط الأمريكية، ليكمل معهم ما يكفي من المقاعد للحكم.
ليس لدي تفسير لموجة الهستيريا هذه سوى أن الرجل لم يعد يدري كيف يداري الفضيحة. ولو أنه حافظ على رباطة جأشه بدلاً من رد الفعل المرعوب هذا، لربما أمكنه بلا صعوبة أن يرتب الموضوع بأقل الخسائر الممكنة. أن يتبرأ من الرجل ويستنكر فعلته ويعتذر لـ "شعبه" الذي "أفنى حياته في الدفاع عنه" لأن قيادياً في حزبه، فعل ما فعل. ويطالب بإنزال "أقصى العقوبات" به، ويؤكد أنه "لا يتساهل" مع أي كان إن ارتكب جرماً، و"ها هو الدليل أمامكم". ويضيف إليها أن "ذلك يؤكد أنه لا يطالب بالعفو إلا للأبرياء"..الخ. فيمكن ترتيب مسرحية جيدة على هذه القصة، لتقلب الأمور ربما لصالحه. لكن زمام أموره أفلت منه، مثلما أفلت حين راح يعنف الصحفيين الذين جاءوا يحتلفون معه عند إعلان "فوزه" في الإنتخابات الأخيرة.
إنه الآن يريد أن يثير حرباً لينسى الناس في غمرتها موضوع زفة التاجي، لكن من وبمن سيحارب علاوي؟ (إن استثنينا احتمال القوات الأمريكية التي مازالت في البلاد!). ما أشبهه بدون كشيكوت يحارب طواحين الهواء! فلا شك أنه شعر أن من بقي حوله بدأوا يتململون، فلا أحد يريد أن يكون قريباً ممن يرتبط أسمه برفقة الإرهاب الوحشي، ولذلك فهو يشعر كالذئب الجريح الذي سيأكله رفاقه.
أتساءل، هل لهذا الشعور أثراً غير واع في أختراعه للعبارة التي كررها أكثر من مرة في خطابه الثوري: "يا شعبنا العراقي الكريم الجريح..."؟

(1) خطاب علاوي: http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2011/06/11/178889.html


Opinions