Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

فقدان الثقة وتراكم غضب الشعوب

احمد جويد/
الثقة، مفردة تكاد تكون معدومة في قاموس السياسيين، لأن التاريخ يحدثنا عن السياسة على أنها الخداع والمكر والحيلة، ويكاد أن يكون الغدر هو العلامة الفارقة للسلطة السياسية، حتى إن عامل الأمويين على الكوفة كان يطلب من أحد الفقهاء إيجاد المسوغ الشرعي لما يقوم به من غدر ونكث للعهود والوعود في تعامله مع خصومه السياسيين أو مع الرعية، فنكث العهود كانوا يعدونها من ضرورات السياسة للاستمرار في السلطة والاستئثار بالحكم آنذاك!!

وفرضية الثقة بين الحاكم والمحكوم يجب أن تكون موجودة إذا أراد الحاكم أن يستمر في حكم بلاده بأمن وسلام، وبالتالي فإن المحكوم يشعر بالاطمئنان لنوايا الحاكم وسلوكياته وعدم الخوف منها وحملها على محمل صدق النوايا، وبالتالي فان عاقبة هذا الأمر على الحاكم وأعوانه مع الشعب مختلفة تماماً عما هي عليه مع الطغاة والمخادعين والقامعين لشعوبهم.

ويرى فرانسيس فوكوياما في كتابه (الثقة: الفضائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار): أن الثقة (Trust) هي كلمة السر في انتقال المجتمعات من حال إلى حال وتطور الدول من وضعية إلى وضعية مغايرة، ويعبر عنه فوكوياما بـ رأس المال الاجتماعي ويعني هذا المفهوم مكونات رأس المال البشري التي تسمح لأعضاء مجتمع ما بالتعامل المشترك في ظل منظومة أخلاقية قوامها الثقة المتبادلة، فالثقة لها أثرها الإيجابي في تحقيق النمو والازدهار في المجتمعات كما وتمثل قوة أساسية للثقافة في خلق مجتمع اقتصادي وسياسي متماسك ومتجانس فقدرة المجتمع على التعاون وتعزيز جوانب الثقة في ما بين أفراده من ناحية، والثقة في ما بين الفرد والحكومة، تعزز الرخاء والازدهار في بلد ما. ويرى فوكوياما انه عندما تزدهر القيم، يتصرف الأفراد انطلاقا من أخلاقيات تعتبر أساسا لبناء الثقة بينهم، وتجعل التضامن هدفا في ذاته، بغض النظر عن المصالح الذاتية. ويؤدي غياب الثقة والتضامن إلى فقدان فرص التقدم الاقتصادي، بسبب ما يطلق عليه علماء الاجتماع: العجز في رأس المال الاجتماعي.

فالغضب الشعبي الذي امتد من الأطلسي مروراً بالنيل وبحر العرب وصولا إلى الخليج، لطالما كان كامناً داخل النفوس تراكم لعقود طويلة الى ان وصل إلى حالة من الانفجار الذي لا يمكن للغدر والخداع السيطرة عليه حيث الاحساس بالظلم وفقدان الكرامة وضياع الانسانية وفقدان الامل بالحياة.

ويرى المرجع الديني الراحل الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله): أن المجتمع الذي تكثر فيه حالة الظلم، لابد وأن تكثر فيه الاضطرابات المختلفة، وحالة عدم الاستقرار، وتترتب عليه آثار وخيمة جداً في نفوس أبناء المجتمع، خصوصاً إذا كان الحاكم نفسه ظالماً لشعبه، مستبداً برأيه، لا يهمه سوى مصالحه الشخصية، وبقائه في الحكم مدة أطول.

وكيفما تم تفسير أسباب توقد هذا الغضب الشعبي إلا ان مرده يبقى لسببين رئيسيين هما؛

أولاً: انعدام ثقة الشعوب بحكامها وفقدانها لكرامتها بوجود هؤلاء الحكام.

الثاني: تمسك الحكام بالسلطة والحكم والاستئثار بالملك مهما يكلف الثمن.

هذان السببان أديا إلى سرعة انتشار نار الغضب الشعبي في أغلب البلدان العربية، ونتيجة لتحرك الشعب باتجاه التغيير بادر الحكام في الإسراع بنثر الوعود في محاولة لشراء الذمم من خلال تقديم الوعود المغرية للالتفاف على حركة الجماهير، وتكون على نوعين؛

أ- وعود بامتيازات مالية، تشمل تحسين الوضع الاقتصادي وتقديم بعض الهبات المالية وتوفير فرص العمل والقضاء على البطالة وتحسين الخدمات.

ب- وعود بإصلاحات سياسية، تشمل القضاء على الفساد وإطلاق سراح السجناء السياسيين واحترام الحقوق المدنية والدينية والمساواة أمام القانون وتغيير بعض القوانين.

غير أن الشعوب اليوم أصبحت وبعد تجارب طويلة وكثيرة لحكامها لا تثق بوعود السلطة وعهودها، فهم -أي الحكام- قد بنوا سلطتهم واستأثروا بالملك باستخدام الكذب والخداع ونكث العهود والقمع والإرهاب لشعوبهم، إلا أن شعورهم بموجة التغيير وقلقهم الجدي على مستقبل ملكهم يدفعهم لتقديم الوعود المذكورة.

فبعض الحكام لا يصدق خروج الشعب أما انه لا يريد أن يعرف هو الحقيقة أو آخرين ممن حوله يحاولون خداعه وأكثرهم من المنتفعين، فربما يكونوا من المستشارين أو أعضاء الحزب وربما يكونوا رجال دين يقدمون الفتوى بما يحلو للحاكم وينسجم مع مصالحه.

فهم-أي المستشارون وأعضاء الحزب- يزينون للحاكم سوء أفعاله، فيصورون له سيئاته حسنات وفشله نجاح وأخطائه صواب، فهنالك من الحكام من يرتاح إلى سماع التبريرات أو ينقل له خلاف الحقيقة، وحينما يخرج الشعب على الحاكم يشار عليه إن من خرج عليك هم الحمقى والمرضى وأصحاب السوابق والمدمنون، ومن تم دفعهم من قبل جهات لا تريد الخير للبلد أو من الخونة ومن لديهم أجندة خارجية، فقد يتفاجأ بعض الحكام العرب بخروج شعوبهم عليهم لأن ما يتم نقله إليهم من أخبار وتقارير هو على خلاف الحقيقة.

وتكون نتيجة تلك المفاجأة بأن رفض جميع الوعود التي يتقدم بها الحكام لشعوبهم، وهذا ما لا تتقبله الذات المتعالية في نفس الحاكم وبالتالي تجعله يفقد توازنه وصوابه ويتخذ خطوات غير مدروسة، فيصبح جل اهتمامه الكرسي والملك والسلطة دون الالتفات الى مطالب الشعب أو مصلحة الوطن، فلا يجد بداً من تقديم الوعود والتنازلات الواحدة تلو الاخرى في مقابل تمديد فترة حكمه حتى لو تطلب الامر التضحية بأقرب مساعديه ومعاونيه، بل وحتى لو وصل الأمر إلى التضحية بأبنائه أو يلجأ إلى استخدام القوة المفرطة وارتكاب أنواع الجرائم ضد أبناء شعبه، كما فعل ذلك صدام في العام 1991م ويفعلها اليوم القذافي ويستعد لفعلها حكام آخرون.

وفي المقابل تجد الشعوب إن كرامتها قد انتهكت وإن الثقة بالحاكم قد فقدت، وبين حاجة الشعوب في استرداد كرامتها وعدم ثقتها بالحكام من جهة، وتشبث الحاكم بالسلطة والملك من جهة أخرى عمت البلاد العربية موجة عارمة من الاحتجاجات والتحركات التي وصلت في كثير من الاحيان الى استخدام العنف من قبل رجال السلطة قابله عنف آخر كردة فعل على القمع الوحشي لإخماد الحركات الشعبية.

هكذا تفكر العقلية السلطوية العربية في الحصول على الحكم والبقاء على عرش السلطة، فهم-أي الحكام العرب- أقل الناس إيماناً بالديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة، الأمر الذي يجعل الشعوب العربية لا تثق بهم مهما اطلقوا من وعود، فحينما يطلقون الوعود لا يفون بها، وحينما يحددون المدد الزمنية لا يتقيدون بها لمجرد شعورهم بالقوة، لانها اصبحت ثقافة استبدادية راسخة في العقل السلطوي العربي.

عدم الثقة الذي عاشته الشعوب العربية مع حكامها جعلهم يأخذون زمام المبادرة في أول فرصة تظهر فيها علامات الوهن والضعف على الحاكم، لأن فرصة الإطاحة بالحاكم هي الضمانة الحقيقية لإصلاح جميع مشاكل المجتمع وتحقيق تطلعاته في العيش بحرية وكرامة، وربما يتصور بعض الحكام إن شعبه لا يمكن أن يتحرك ضده في يوم الايام لأنه قد وفر ما يحتاج إليه الانسان من مأكل أو مشرب أو طريق معبد أو مدرسة للتعلم، لكنه أغفل حقيقة كبيرة وهي سلبه الحرية والكرامة من ابناء شعبه وتجاهل الاستماع الى رأيهم إن لم يكن قد عمد الى تكميم أفواههم، فهم يعتبرون الشعوب على إنها مجرد كائنات تأكل وتنام وتخدم.

ونتيجة لكل تلك المعطيات، أين يمكن أن يجد الحكام العرب -الذين لم تحاسبهم شعوبهم بعد-أنفسهم من كل هذه الاحداث؟ إذ يجب عليهم أن يضعوا نصب أعينهم الآتي:

1- لا يمكن لأحد أن يتوقع متى وأين تتحرك الشعوب وتنقض على حكامها.

2- إن عهد الهروب من المحاسبة والملاحقة القانونية والقضائية قد ولى بعد أن نفض الغرب يده من هؤلاء الحكام الذين سببوا لهم الكثير من الاحراجات أما شعوبهم.

3- هناك اتفاقيات دولية لمتابعة رؤوس الاموال التي يعتقد بعض الحكام تهريبها خارج بلادهم والتنعم بها بعد الافلات من قبضة شعوبهم.

4- الاهم من ذلك كله إن الوضع الدولي والسياسات الدولية هي ليست ما كان موجود بالأمس فدول العالم وبالذات الغربية منها أدرك بشكل واضح حركة الشعوب وأصبحت تفكر في بناء علاقات مختلفة معها.

5- المسكنات والمهدئات التي تعطى للشعوب لم تعد تجدي نفعاً وسرعان ما ينكشف زيفها، ولات ساعة مندم.

6- جميع محاولات الحكام في امتصاص غضب الشعوب قد باءت بالفشل.

وبالتالي فلا مفر من زرع الثقة من قبل الحكام في نفوس شعوبهم، ولابد للحكام أن يعمل على ترسيخ تلك الثقة بالأفعال لا بالأقوال، ولابد لكرامة الشعوب أن تكون على رأس أولويات العمل للمرحلة القادمة سواء من قبل الحكام الذين وعدوا شعوبهم بالإصلاح والتغيير أو من قبل الحكومات التي سوف تنشأ على أعقاب الدكتاتوريات التي تم الاطاحة بها.

وقد قال الامام علي بن ابي طالب عليه السلام: إنجاز الوعد من دلائل المجد... أحزم الناس رأيا من أنجز وعده ولم يؤخر عمل يومه لغده.

* مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

http://shrsc.com/index.htm
Opinions