Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

من ذاكرة التاريخ: الفخ الذي نصبه الحزب الديمقراطي الكردستاني للحزب الشيوعي!

شهد عام 1961 تدهور الأوضاع السياسية في العراق، وانقسام القوى الوطنية، وحدوث الخلافات العميقة بين قيادة عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني.
وفي الوقت نفسه اندلعت حركة تمرد في شمال العراق على الحدود العراقية الإيرانية قادها عدد من كبار الإقطاعيين الكرد، وكان على رأسهم كل من[رشيد لولان] و[عباس مامند] و[حسن أغا بوسكين] و[علي أغا المنكوري] و[ إسماعيل سوار أغا ] و[أنور بيك بيتواته] بدعم وإسناد مباشر من قبل نظام شاه إيران والسفارة الأمريكية في طهران، وقد أستهدف المتمردون إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية وعميلها الشاه زعزعة النظام في العراق وإسقاط نظام الزعيم عبد الكريم قاسم مما استدعى إرسال القوات العراقية لقمع ذلك التمرد
وفي ظل تلك الظروف الحرجة التي سادت المنطقة الكردية بسبب التمرد المذكور، بادرت صحيفة الحزب الديمقراطي الكردستاني[ خاباد] إلى مهاجمة أسلوب سلطة عبد الكريم قاسم في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة في البلاد، وسن دستور دائم للبلاد.
وكان رد عبد الكريم قاسم على مقال صحيفة الحزب خاباد أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد، وغلق الصحيفة، واعتقال بعض القيادين الكرد المتواجدين في بغداد في آذار1961، وهكذا أخذت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام .
وفي 20 تموز 961 ، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم تضمنت العديد من المطالب، لكن الزعيم عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة المذكورة.
وجاء الرد من الملا مصطفى البارزاني بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في 6 أيلول 1961، حيث توقفت كافة الأعمال، وأصاب المنطقة كافة شلل تام، وقام المسلحون البيشمركة باحتلال مناطق واسعة من كردستان حاملين السلاح بوجه السلطة.
كان على القيادة الكردية أن تقدر دوافع ذلك التمرد، والقائمين به، والمحرضين عليه ومموليه، وعدم تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وأذنابها، سواء كانوا عرباً كما هي الحال مع حزب البعث وحلفائه القوميين، أو كانوا من الكرد، كما هو الحال مع تمرد رشيد لولان وعباس مامند.
كان رد الزعيم عبد الكريم قاسم بدفع المزيد من قطعان الجيش في 9 أيلول 961، لضرب الحركة الكردية مستخدمأً مختلف الأسلحة والطائرات، حيث امتدت المعارك لتشمل كافة منطقة بارزان.
ومن جانبه أصدر الحزب الشيوعي بياناً في 22 آب 1961 حول الوضع الراهن في كردستان مؤكداً على ضرورة النضال من أجل تسوية الوضع المتأزم في كردستان، وذلك بضرب نشاط عملاء الاستعمار وحلف السنتو في المناطق المتاخمة للحدود الإيرانية، والوقوف ضد الصدام بين القوات الحكومية المسلحة والبارزانيين، والحل السلمي للقضية الكردية.
كما طالب تقرير اللجنة المركزية للحزب في تشرين الثاني 1961 حكومة عبد الكريم قاسم بتحقيق المطالب التالية :
1ـ إلغاء الحملة العسكرية النظامية.
2 ـ حل المسالة الكردية بالطرق السلمية بإصدار بيان رسمي بالاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي ضمن الوحدة العراقية .
3 ـ إصدار عفو عام عن المشتركين في الحركة .
4ـ إطلاق سراح جميع المعتقلين وإرجاع المفصولين لأعمالهم
5 ـ دفع التعويضات للمتضررين.
ولم تجدِ نفعاً كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال واللجوء إلى الحوار، واستمرت الحرب بالتصاعد .

وهكذا اتخذ الحزب الشيوعي قراره بشن حملة واسعة شملت كافة أنحاء العراق تحت شعار[ السلم في كردستان ،والديمقراطية للعراق ]، وقد بذل رفاق الحزب الشيوعي في السليمانية، وكنت واحداً منهم ، جهداً كبيراً في إظهار السعة الجماهيرية لتلك الحملة لدرجة أنها أغضبت حاكم السليمانية العسكري الجلاد صديق مصطفى في أواخر عام 1962 ، حيث بادر إلى جمع رؤساء الدوائر على الفور، وقدم لهم صيغة برقية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم تطالبه بقمع الحركة الكردية بشدة، وطلب من كل رئيس دائرة أن يسجل أسماء منتسبي دائرته، ويوقع كل موظف أمام اسمه، والذي يرفض التوقيع يكتب أمام اسمه لا أوقع، ومنح رؤساء الدوائر ومنتسبيها مهلة أمدها حتى الساعة الثانية من ظهر اليوم التالي، وكان واضحاً أن خطة الجلاد صديق مصطفى تقضي بالتنكيل بمن يرفض التوقيع على البرقية.
وعلى أثر ذلك الإجراء اللا قانوني تم عقد لقاء بين قيادتي الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني لتدارس الموقف الناجم عن تصرف الحاكم العسكري صديق مصطفى، والإجراء المضاد الذي يمكن اتخاذه لتحدي سلطة هذا الجلاد.
وخرجت قيادة الحزبين بقرار يلزم أعضاء حزبيهما بتحدي القرار، وعدم التوقيع عليه محذرة أعضاء الحزبين بطرد كل من يوقع على البرقية، وطلبت كذلك بعدم الهروب من وجه السلطة وإلا واجه الطرد أيضا. وهكذا بعثت قيادة فرع الحزب في السليمانية بتبليغ مستعجل إلى كافة رفاق الحزب تضمنت النص التالي :
إلى كافة رفاق حزبنا الشيوعي :
إن دكتاتورية عبد الكريم قاسم لا تتحطم إلا على أيدي الشيوعيين!!
نمنعكم من التوقيع على البرقية، وكل من يوقع على البرقية يطرد من الحزب فوراً، وكل من لا يوقع ويهرب من وجه السلطة يطرد أيضاً.
وعندما تسلمت التبليغ شعرت بالغضب الشديد ليس على رفض التوقيع وتحدي السلطة، على الرغم من عدم قناعتي بالقرار، ولكن على الديباجة في تصدرت في أعلى التبليغ التي دلت على عدم نضوج قيادة الفرع، وضحالة تفكيرها بحيث جعلت من نفسها القوة التي ستحطم سلطة عبد الكريم قاسم !! فلماذا ؟ ولمصلحة من هذا القرار ؟ هل يصب هذا القرار في خدمة قضايا شعبنا ووطننا أن نحطم سلطة عبد الكريم قاسم، ونعرض ثورة 14 تموز وكل مكاسبها للضياع؟
لقد شعرت بالاشمئزاز من تلك الديباجة الخطيرة، وساورتني الشكوك حول نتائج هذه السياسة الحمقاء، ورد الفعل الذي سيتخذه الزعيم عبد الكريم قاسم تجاه الحزب الشيوعي.
الفخ :
في صباح اليوم التالي كان في مقدمة الموقعين على البرقية هم أصحاب الحركة المسلحة قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وتبعهم كافة رفاق حزبهم دون استثناء.
ولما وجد الرفاق الشيوعيون أن قادة ورفاق الحزب الديمقراطي الكردستاني قد وقعوا على البرقية، بدأوا بالتوقيع عليها كذلك، وعندما بلغت الساعة الثانية ظهراً، وانتهى الموعد المحدد للتوقيع، كان كل من بقي من الشيوعيين غير الموقعين 6 رفاق فقط 4 منهم عرب، وكنت احدهم ، واثنان من الرفاق الأكراد. وهكذا تبين لنا أن قادة القوميون الكرد قد نصبوا فخاً محكماً لتخريب تنظيم الحزب الشيوعي في صفوف المثقفين أدى إلى خسارة الحزب لهذا الجانب الهام والواسع بصورة شاملة، وفي الوقت نفسه خرج قادة القوميون الكرد هم ورفاق حزبهم سالمين!!
أصبح وضعنا حرجاً جداً بعد انتهاء المهلة، وكنا ندرك أن الجلاد صديق مصطفى سيصب جام غضبه علينا، وعليه فقد بادرت إلى إرسال رسالة مستعجلة لقيادة الفرع، وطلبت منهم الموافقة على الاختفاء تجنباً لما لا يحمد عقباه، فماذا كان الجواب؟
كان الجواب الذي تلقيته بالنص:{ موتوا كي نشيعكم}!!
هكذا بكل بساطة يقدمون أرواح رفاقهم فداء بالمجان، ولمصلحة منْ؟ متجاهلين انعكاسات موتنا على مستقبل عوائلنا وأطفالنا.
أثارت الرسالة في نفسي الحزن والألم، والغضب الشديد، ودفعتني إلى اتخاذ قراري الحاسم والنهائي بالاستقالة من الحزب، وعدم التفكير في أي انتماء حزبي مستقبلاً، مع البقاء على علاقة طيبة مع سائر القوى الوطنية ولكن عن بعد، وأتحرر من القيود الحزبية، وامتلك القدرة على نقد الأخطاء، وادعم الخطوات الصائبة دون حدود أو قيود.
مكثت في البيت تلك الليلة في انتظار إجراءات الجلاد صديق مصطفى، ولم تكد الساعة تعلن العاشرة ليلاً حتى طُوقت قوات الانضباط العسكري داري والمنطقة المحيطة به من قبل مجموعة كبيرة كان على رأسها آمر الانضباط المجرم [رشيد علوان المهداوي]،وجرى تفتيش الدار، واعتقالي ونقلي إلى دائرة الانضباط العسكري مع بقية رفاقي الخمسة .
كان هناك ثلة من قوات الانضباط في انتظارنا، وقد اصطفت على جانبي المدخل الضيق والطويل لدائرة الانضباط، وقد استعدوا لاستقبالنا بما يشبع رغبة الجلاد، حيث تلقينا من الضربات الموجعة من كل جندي بما أسقطنا أرضاً في نهاية الممر من شدة الألم حيث لم تبقَ بقعة من أجسامنا دون أن تصيبها الكدمات، واثبت الأوباش من الانضباط العسكري أنهم اشد وحشية وقسوة من الأجهزة الأمنية.
استمر بنا الحال أسبوعين في الاعتقال دون أي تهمة أو سند قانوني، كنا خلالها نقاسي من التعذيب الوحشي ما لا يوصف، حيث خرجنا بعدها منهكي القوى، وفي وضع صحي سيئ جداً واستمرت معاناتنا لأمد طويل.

استمرت الحرب بين السلطة وقوات البارزاني حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963. ومن المثير للغضب والاستنكار أن قادة الحركة الكردية كانوا قد وضعوا أيديهم بأيدي انقلابيي شباط 963 ضد السلطة الوطنية بقيادة عبد الكريم قاسم، ظناً منهم أن بالامكان حصول الشعب الكردي على حقوقه القومية المشروعة على أيدي أولئك القوميين الفاشيين والمتعصبين.
لقد كان موقفهم هذا أقل ما يقال عنه أنه موقف ميكافللي لا مبدأي يبرر الوسيلة مهما كانت لتحقيق الهدف المنشود، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ذلك الموقف كان يعبر عن جهل بطبيعة حزب البعث والقوى القومية المتعصبة المتحالفة معه، الذين لم يكّنوا يوماً المودة للشعب الكردي، ورفضوا حتى إشراك الحزب الديمقراطي في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957.
لم تمض ِسوى أربعة أشهر على انقلاب 8 شباط، حتى بادر الانقلابيون في 10 حزيران 1963 إلى شن حملة عسكرية هوجاء على الحركة الكردية، منزلين فيه أشد الويلات والمآسي بالشعب الكردي.


حامد الحمداني
9/8/2008 Opinions