Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

مواقف رجولية لا تنسى

عند ترحيلنا مع عائلتي من مدينة مسقط الرأس كركوك إلى مدينة أربيل بأمر صادر من قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي / فرع كركوك في الخامس من تشرين الأول عام 1995، لم يكن أمامنا خيار آخر غير محاولة السفر إلى تركيا الجارة العزيزة التي وقفت إلى جانب العراقيين في كل المحن ومدت يد العون إليهم بدون تمييز بين فئة وثانية. ومن أجل ذلك لم أترك باب تنظيم سياسي تركماني إلا وطرقته ولا مسئولا سياسي إلا والتقيت به، وكان السيد رئيس الجبهة التركمانية العراقية لتلك الفترة من ضمن السياسيين الذين التقيت بهم ولم أحصل على تأشيرة السفر إلى تركيا ( فيزا ) التي كانت حينها بيد بعض التنظيمات السياسية التركمانية والكردية، وكانت الفيزا الواحدة تباع بخمسمائة دولار أمريكي من قبل بعض التنظيمات التركمانية وألف دولار من قبل نظيراتها الكردية، وإن المبلغ الذي كان بحوزتي آنذاك لا يكفي لشراء تأشيرتين خصوصا بعد أن اشترينا جوازين للسفر بألف دولار لانتهاء فترة جوازينا السابقين وعدم موافقة النظام العراقي السابق على منحنا جوازات جديدة. طيلة شهرين من الزمن ونحن بين ضيافة عائلة أربيلية معروفة، رب العائلة الرجل الوقور الشيخ عبيد الله الباقلاني أحد معارفنا الذي كان من وجهاء ورجال الدين البارزين في المدينة. فلم أجد الحل إلا في محاولة السفر إلى تركيا بطريقة غير رسمية ( القجق ) كما يسمونها بالعامية، عبر القرى الكردية بين العراق وتركيا مشيا على الأقدام حاملين أمتعتنا وطفلينا أردوغان (3) عام ومصطفى (11) شهر. تعبنا ومللنا كثيرا من مشقة السفر وطول المسافة بين القرية والثانية تحت رحمة الطائرات المقالة التركية التي كانت تطارد الإرهابيين من عناصر حزب العمال الكردي المحضور الذين كانوا يتسللون من الأراضي العراقية إلى القرى الحدودية التركية لتنفيذ جرائمهم وقتل الأبرياء من أبناء تلك القرى الكردية الموالية للنظام التركي والجنود الذين يحمون البلاد من أولئك الظالمين الأشرار. المحاولة فشلت لما اقتربنا من أحد مخافر الجندرمة التركية حيث أقنعنا آنذاك أحد شيوخ المنطقة بعدم الاقتراب من المخفر الحدودي حيث العساكر الأتراك لن يرحموننا ويعتبروننا إرهابيين ويقتلوننا جميعا. رجعنا إلى أربيل ثانية بعد أن تركنا أغلب أمتعتنا وملابس أطفالنا عند أحد عوائل القرية الأخيرة التي منها كنا سننطلق إلى مدينة شمدنلي ومنها السفر إلى اسطنبول.



في أربيل وبعد استراحة قصيرة في دار الشيخ الوقور عبيد الله الباقلاني ذهبت إلى قضاء عين كاوة للالتقاء بالسيد رياض صاري كهبة رئيس حزب توركمن إيلي الوحيد الذي لم أتمكن الوصول إليه من قبل لسفره إلى تركيا آنذاك. كان اللقاء هاما لنا جدا. رحب بي سيادته رغم عدم لقائي بسيادته من قبل ووعدني بأن يمنحنا تأشيرتين من حصة حزبه الشهرية وأبلغني الذهاب إلى زاخو والانتظار فترة من الزمن في دار الضيافة التركمانية هناك لحين أكمال معاملة السفر. ترددت عدة مرات بعد ذلك على مقر الرئاسة لحزب توركمن إيلي في عين كاوة وكان أسمه آنذاك حزب الاتحاد التركماني العراقي تم تغيره إلى توركمن إلى بعدها. وهناك تعرفت على شخصية صاري كهية النضالية الحقيقية والمتواضعة البسيطة التي لم أجدها لدى غيره من سياسيينا. تصوروا ورغم خطورة الأوضاع حينها رئيس حزب تركماني في أربيل مسئول عن الجناح العسكري للجبهة التركمانية العراقية وثاني أكبر التنظيمات السياسية التي كانت تكون الجبهة آنذاك يتنقل في المحافظة مشيا على الأقدام أو بسيارة أجرة ( تاكسي ) وحتى بدون أن يرافقه أفراد الحماية. كان ولا ولازال يهمل عائلته وصحته وراحته وهو يناضل في سبيل حرية شعبه التركماني وحقوقه التي لا زالت تغتصب وحتى ليومنا هذا. في عين كاوة التقيت بزميل آخر لي كان يبيت مع بقية أفراد عائلته في دار السيد صارى كهية وهو الشاعر التركماني حميد كوثر وسافرنا معا إلى زاخو وبقينا طيلة شهرين في دار الضيافة التركمانية هناك قبل أن نسافر منها إلى اسطنبول. بتاريخ 1 كانون الثاني 2006 وبعد مشقة وتعب أربعة أشهر أشرقت شمس الحياة الجديدة علينا لنستقر ردهة من الزمن في مدينة اسطنبول التاريخية الحضارية الجميلة قبل انتقالنا إلى الدولة الثالثة والاستقرار فيها.



لم ينسانا السيد صارى كهية حتى ونحن في تركيا وكان يسأل عنا دائما. وهذا الأمر المتواضع الجميل وشخصيته النضالية الحقيقية كانتا وراء انتمائي إلى أول حزب سياسي في حياتي ألا وهو توركمن إيلي وعملي في لجنة اسطنبول للحزب التي كانت تضم خمسة مناضلين تركمان معروفين في تركيا. انقطعت عن الحزب بعد لجوئنا مع عائلي إلى فنلدة بتاريخ 24 آذار 1997 ولم أرتبط بعدها بأي تنظيم سياسي وأكملت حياتي النضالي السياسي من أجل قضية شعبنا التركماني من خلال كتاباتي السياسية التي كنت ولا زلت أدافع فيها عن شعبي التركماني المظلوم ورفع الغبن والتجاوز والتهميش عنه إلى أن قررت أخيرا الرجوع إلى صفوف الحزب الذي لم أنتمي إلى سواه لتكملة نضالي السياسي في سبيل حرية وديمقراطية شعبي وغده المشرق.



ربما سائل يسأل لماذا لم أكتب موضوعا مثل هذا من قبل ولماذا تزامنت الكتابة مع زمن الانتخابات المزمع أجراءها في البلاد في أواخر يناير 2010؟



من أفواه كتاب وصحفيين كثيرين سمعت بأن رئيس الجبهة التركمانية العراقية لآنذاك أو رئيس التنظيم السياسي التركماني الفلاني هو الذي تكرم علينا ومنحا الفيزة للسفر إلى تركيا أو المسئول العلاني في الدائرة أو المؤسسة التابعة للجبهة التركمانية العراقية أو الحزب التركماني الفلاني هو الذي تفضل وتوسط عند هذا أو ذاك من أجل تأشيرة السفر إلى الجنة. ومن أجل إسكات أولئك الذين يدعون الباطل ولم يفكروا آنذاك إلا في مصالحهم الشخصية ولتنوير الملأ بالحقيقة والمواقف المشرفة للرجال الذين فيهم مواصفات قيادة الشعوب وجب علي أن أكتب هذا الموضوع المتواضع وسد الجزء الضئيل من الدين الثقيل الذي لا يزال في عنقي من الخدمة الإنسانية النبيلة التي قدمها لنا بدون مقابل ذلك المناضل التركماني الحقيقي السيد رياض صاري كهيه الذي لوحده يعود الفضل في نجدتنا من جحيم الإدارة العراقية السابقة من جهة والكردية الحالية في شمال العراق العظيم من جهة أخرى. لأجله يجب علينا جمعا عندما نذهب إلى التصويت لاختيار ممثلينا أن نضع ماضي وحاضر مرشحينا ونضالهم في سبيل حرية وحقوق الشعب التركماني أمام أعيننا وأن نختار أولئك الذين يفضلون مصلحة ورفاه ومستقبل شعبهم فوق غيرهم حتى أنفسهم وأفراد عوائلهم أو أقاربهم، لأن الذي يهمه نفسه وعائلته وأقاربه أكثر من شعبه لا يسعى إلا لإسعاد نفسه وأفراد عائلته وأقاربه ولا يضحي من أجل شعبه ومستقبله أبدا . فمستقبل شعبنا الباهر لا يحققه إلا الذين سيسعون ليلا ونهارا في سبيل حرية وديمقراطية الشعب التركماني وإيجاد أفضل السبل لإرجاع كامل حقوقنا المغتصبة ورفع الغبن والتجاوز عن شعبنا التركماني المظلوم الذي يهضم حقوقه من قبل الجهات الشوفينية العميلة والله .



تشرين الثاني 2009

17 سانتتيان- فرنسا



Opinions