Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟

17 تشرين الثاني 2011

من نافل القول أن ثروات أي بلد، هي زورق نجاته ووسيلته إلى حياة كريمة لشعبه ومستقبل أجياله، خاصة في وضع دولي شديد الإضطراب كالذي نعيش فيه، ولكن من نافل القول أيضاً أن هذه القاعدة البسيطة قلما تجد طريقها إلى التطبيق، خاصة في عالمنا العربي، وبالتأكيد ليس العراق استثناءاً من ذلك.

لو تابعنا السياسة الإقتصادية النفطية للعراق، لوجدنا خللاً كبيراً، فالحكومة تبدو مثقلة بالإضافة إلى صراعاتها الداخلية، بمصارعة الضغوط الهائلة في معركة مصيرية أمام تحالف الشركات الكبرى وحكومة كردستان التي تلقي بكل ثقلها لدعم الشركات من أجل تحطيم إرادة الحكومة وفرض العقود المجحفة التي تحاول الشركات العملاقة فرضها على العراق.

من جهة أخرى لم تقدم الحكومة خطة إقتصادية إستراتيجية مقنعة يلتف حولها الشعب. وبدلاً من ذلك، يفاخر المسؤولون بخطط لرفع "الإنتاج" إلى أرقام قياسية. وتشرح عناوين الصحف توجه الحكومة مثل: "بغداد تتطلع إلى منافسة الرياض في إنتاج النفط الخام."
وعدا الحقائق التي تبين الفارق بين العراق والسعودية التي وصلت إلى هذه المرحلة بعد 70 عاماً، من التطوير الذي شمل البنية التحتية وبناء المصافي وشراء الناقلات، فإننا نتساءل: ما الذي كسبته السعودية من هذا "الإنتاج" البالغ لكي يقتدى بتلك السياسة؟ وأين ذهبت أموال تلك الثروات الهائلة التي تم ضخها؟ لقد ذهبت لدعم بنوك أميركا وإنكلترا في أزماتها، وشراء ترسانة هائلة من الأسلحة لهدف غير واضح، فلماذا يريد العراق السير في طريق هذه نتائجه؟

في الماضي كتبنا عن تعامل حكومة إقليم كردستان السيء مع ثرواتها النفطية، حيث لجأت إلى مختلف الحيل لحرمان شعبها من قيمة ثروته، ومنها تسجيل المناطق المستكشفة كمناطق إستكشافية، لتتمكن من تسليمها إلى الشركات بعقود زهيدة، ثم قامت بتوقيع عدد كبير جداً من العقود في زمن قياسي، وكأنها لص يسارع إلى لملمة ما خف حمله وغلى ثمنه قبل ان يطلع عليه النهار. واليوم يتكرر المشهد على مستوى العراق:
"الحكومة المركزية "تركض" لتوقيع العقود النفطية والغازية. حيث أن عدد العقود التي وقعتها الحكومة المركزية قد بلغت (15) عقدا خلال أقل من عامين (في دورات التراخيص الثلاث)، ويتوقع أن توقع (12) عقداً آخراً في الربع الأول من عام 2012، مقارنة بـ (25) عقداً قد وقع في إقليم كردستان خلال أربع سنوات، ولكن ما وقع من العقود في إقليم كردستان العراق كان لاحتياطيات محدودة، أما ما وقع في الوسط والجنوب فهو لاحتياطيات عالية قد تصل إلى 70% من الاحتياطي النفطي للعراق". – فؤاد الأمير (*)
تبدو الحكومة مشغولة في سباق مع السعودية وكردستان أكثر مما هي مشغولة بتخطيط ستراتيجي للإقتصاد، والسؤال الذي يجب التركيز عليه هو: ما هو مستوى "الإنتاج" المناسب للخطة الإقتصادية للبلد؟ كم سنة سيبقى النفط في العراق في هذه الحالة؟

إني أضع كلمة "إنتاج" بين علامات اقتباس، لأن "إنتاج النفط" الخام ليس إنتاجاً في رأيي، وإنما هو سحب من الرصيد النفطي. فإن كان يصح إطلاق عبارة "إنتاج نفط" على استخراج النفط من الأرض، فيجب أن نسمي سحب الجبن من الثلاجة "إنتاجاً للجبن"، في الوقت الذي هو أستهلاك و "صرف" له، سواء أكلناه مباشرة أم بعناه واستهلكنا ثمنه. لذلك سأستعمل كلمة "إستخراج"، وهي عبارة أكثر أمانة على المعنى لكي لا أسهم في التشويش الذي تثيره كلمة أختيرت لتقلب الحقيقة.

يعود التآمر على نفط العراق إلى ما قبل الإحتلال الأمريكي بفترة طويلة، ثم نشط بشكل كبير قبيل الغزو بقيادة رايان كروكر الذي أصبح فيما بعد سفيراً للولايات المتحدة في العراق، وكان الهدف تسليم النفط العراقي إلى الإستثمارات الأجنبية وفق عقود المشاركة. وهي السياسة التي تبناها رئيس الوزراء الأول الذي اختارته الولايات المتحدة للعراق، الدكتور اياد علاوي ونشرت في "ميدل إيست إيكونومكس سيرفي" و "الغد" البغدادية في أيلول 2004 بعنوان "علاوي يضع الخطوط العامة للسياسة النفطية الجديدة" والتي أكد فيها على عقود مشاركة الإنتاج، والتي تصدينا لها بمعية خبراء نفط عراقيون وأجانب، فأفلت العراق (وليس كردستان) من المرحلة الأولى من المؤامرة على نفطه...

لكن الدورة الثانية من العقود فاجأت الجميع باستهداف العراق لـ "استخراج" ما يتجاوز (12) مليون برميل/اليوم بدلاً من (6 م ب / اليوم) ، وهي الكمية المعقولة المعتمدة على حاجة وإمكانيات العراق، والتي كانت مخططة سابقاً. وتعني هذه الزيادة ضمن ما تعنيه انخفاض عمر النفط العراقي من 163 عاماً الحالية، إلى ثلاثين عاماً فقط.

من ناحية أخرى، فأن دورات التراخيص تعني عملياً إقتراض العراق أكثر من (150) مليار دولار، وبفوائد تزيد 5% على الفائدة المصرفية (نظام فوائد لايبر)، اي ما يزيد عن عشرة أضعاف الفائدة المصرفية الحالية. نصف هذه المبالغ مخصص للمشاريع الخاصة برفع الإستخراج إلى الحدود القصوى الجديدة التي يرى الخبير فؤاد الأمير " أن لا فائدة (..منها)، بل بالعكس كلها ضرر". وأنها " ستكون كارثة على العراق سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية." وهو ما يذكر بكتاب جون بيركنز الشهير: "اعترافات قاتل اقتصادي Confessions of Economic Hit Man" ($) والذي يشرح فيه اساليب السيطرة على الدول من خلال إغراقها بالديون في أمور لا تحتاج إليها.

بقيت عقود التراخيص سرية ولم يعرف محتواها بالكامل، لكن ما تم كشفه يبين أن في نصوص العقود مواداً تحدد طريقة تعامل الحكومة العراقية مع الشركات ومرجعية تحكيمها، وهو ما جعل صحيفة الغارديان البريطانية تنشر تقريراً في تموز الماضي قالت فيه أن شركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم BP قد أحكمت قبضتها على الاقتصاد العراقي عقب موافقة الحكومة العراقية على دفع تعويضات للشركة حتى في حال توقف إنتاج النفط في حقل الرميلة العراقي، وأن تعديلات جرت على العقود تجعلها تؤثر في القرارات السياسية التي تتخذها الحكومة العراقية فيما يتعلق بمنظمة أوبك.

وتحتوي العقود الجديدة، على نصوص (الفقرة 12) تلزم العراق باستمرار استخراج أقصى طاقة ممكنة من حقوله، وأنه إن أراد خفضها، أو حتى فشل في توفير مستلزماتها، فعليه تعويض الفرق في أسرع وقت ممكن بزيادة لاحقة في استخراج النفط عن المقرر، وإلا فهو ملزم بدفع تعويضات عن كل ما "تخسره" الشركات من جراء ذلك الخفض.

ومن الجانب السياسي، يتوقع أن يكون لهذه الستراتيجية أثر مدمر على أوبك وتوزيع حصصها. لقد كانت حصة أوبك من النفط الخام في 2010 (29,3) مليون برميل/اليوم، ولديها فائض مقداره ما بين (6-7) مب/ي. وبسبب حساسية سوق النفط فأن أية زيادة إضافية قد تسبب أنهياراً في الاسعار. ولفهم حساسية سوق النفط للعرض، نشير إلى دراسة للدكتور اياد القحطاني (#) من جامعة كولورادو تبين أن زيادة استخراج النفط بنسبة 2.5% تتسبب في انخفاض في اسعاره بنسبة 3.8% ، اي أن كمية اكبر من النفط لها عائد أقل!

حتى عام 2020 ستزداد حصة أوبك بمقدار 3,9 مب/ي عن 2010. ولو أعطيت كلها للعراق، (وهو أمر مستبعد) لأصبحت حصته حينها (6,2) مب/ي، وهو رقم بعيد عن خطته للوصول إلى (13,5). وهكذا ستجد الحكومة العراقية نفسها أمام حلين "أحلاهما مُر":
أما القبول بمخصصات أوبك، ودفع تعويضات مستمرة عن الفرق الكبير للشركات أي التعويض عن نقص ما قد يزيد عن (6) م ب/ي من الاستخراج، بالإضافة إلى دفع كامل استحقاقات الكلف الاستثمارية والتشغيلية، أو تجاوز حصتها في أوبك، واستخراج ما تتطلبه منها العقود، وهو ما قد ينتج عنه تسابق بين الأعضاء في زيادة وتجاوز الحصص، وبالتالي تفكك المنظمة أو حلها بالكامل!

لقد كانت تحطيم الأوبك دائماً هدفاً سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقه منذ زمن، وكان آخر ما كشف عنه، ما نشره "كريك بالاست Greg Palast" من (323) صفحة من الوثائق السرية عام 2005 حول مقترح للمحافظين الجدد للرئيس بوش الابن لدفع العراق لتتجاوز حصته في أوبك كثيرا، بأمل الوصول إلى انهيار الأسعار وتفكيك أوبك.
لقد فشلت تلك الخطة في حينها، لكن أصحابها لم ييأسوا بعد على ما يبدو.نتمنى أن تعود بغداد عن سياستها المدمرة لثروتها، وأن لا تتحول بغداد من عضو مؤسس أساسي في الأوبك عام 1960 إلى محطم لها!

(*) نشرت المقالة في صحيفة "الأخبار" اللبنانية، واعتمدنا فيها على دراسة الأستاذ فؤاد الأمير "نظرة في دورات التراخيص النفطية والغازية".
http://www.albadeeliraq.com/article16756.html

($) http://www.youtube.com/watch?v=yTbdnNgqfs8

(#) http://www.iaee.org/en/students/best_papers/Al-Qahtani.pdf
Opinions