Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

الصورة النمطية

 

الصورة النمطية هي تلك الصورة التي تقفز إلى خيال أحدنا بمجرد سماع إحدى الكلمات..

خذ أمثلةً على ذلك ما هي الصورة النمطية لكل من هذه الكلمات:"صحابي-الصومال-هارون الرشيد-يهودي-عربي-سلفي"..

بمجرد سماع كلمة صحابي تقفز إلى الذهن صورة رجل بلحية وثوب أبيض يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وبمجرد ما تذكر الصومال تستحضر صورة أناس سمر عرايا يتضورون جوعاً، أما الصورة النمطية لهارون الرشيد فهي ذلك الخليفة الذي يحج عاماً ويغزو عاماً ويقتني الجواري ويسكن القصور، أما اليهودي فصورته في ثقافتنا رجل ذو لحية وجدائل يرتدي قبعةً ويتصف بالبخل والمكر، وأما العربي فصورته الذهنية في الثقافة الغربية هو ذلك الإنسان المتخلف الذي يركب جملاً ويرتدي عقالاً ويهيم في الصحراء..

مشكلة الصورة النمطية أنها تختزل حقيقة الواقع بصورة مخلة وتشطب التفاصيل المهمة وتلغي حقيقة الاختيار البشري والفروق الطبيعية فتبعدنا عن فهم الواقع..

الصحابي ليس بالضرورة أن يكون دائماً في مجلس النبي فهم كانوا بشراً ينطلقون لشئون حياتهم اليومية ويذهبون إلى التجارة والأسواق ويعتريهم ما يعتري البشر، واليهودي ليس بالضرورة أن يكون ذلك الماكر البخيل فهم ليسوا سواءً كما يحررنا القرآن من أسر التعميم فمنهم ومنهم، وكذلك العربي ليس بالضرورة أن يكون متخلفاً كما هي الصورة النمطية في المخيال الغربي فكثير من العرب أذكياء ومبدعون ومساهمون في الحضارة البشرية..

كثير من الوفود التي تأتي إلى غزة تفاجأ حين ترى الناس يمارسون حياتهم الطبيعية ويذهبون إلى أعمالهم وأسواقهم بل وإلى المتنزهات والشواطئ، لأنه جاء إلى غزة وقد ارتسمت في ذهنه صورة أن غزة في حالة حرب دائمة وبؤس غير منقطع..إن بعده عن غزة هو الذي كوَّن لديه هذه الصورة النمطية الاختزالية بينما من يعيش في غزة أقرب إلى التفاصيل فيرى فيها جانب الحياة العادية بما لها وما عليها..

الاقتراب من التفاصيل هو الذي يحررنا من أسر الصورة النمطية، ويتيح لنا فهماً حقيقياً للواقع، لذا يتميز العلم بالبحث في التفاصيل والنفاذ إلى العمق وتجنب إصدار الأحكام العامة..

مثلاً لو قلت إن في المجتمع الإسرائيلي أناساً يهدون بالحق وبه يعدلون..هل ستتقبل الثقافة الصماء هذا القول مع أن مقتضى العقل ألا يخلو مجتمع من ستة ملايين شخص من طائفة مهما قلَّت تتبع الحق والصدق..إن الصورة النمطية تكبلنا وتأسرنا وتمنعنا عن فهم الواقع فنختزل المجتمعات البشرية في تصنيفات جاهزة غير قابلة للاختراق..

تبرز مشكلة الصورة النمطية في تعاملنا مع تاريخنا وتطلعنا لإعادة استنساخه فصورة المجاهدين الأوائل في المخيال العام هي أولئك المؤمنون الذين يلبسون ثياباً بيضاء ويمتطون ظهور الخيل ويمسكون بالسيوف وينطلقون لفتح البلاد.. هذه الصورة راسخة في عقولنا وقلوبنا إلى درجة أننا نعيد إنتاج أفلام تجسد هذه المشاهد مع أن هذا الشكل المبسط لمفهوم المجاهد تجاوزه التاريخ، فروح الجهاد تعبر عن نفسها في هذا العصر بشكل مختلف، والمجاهد يمكن أن يكون شاباً يرتدي هنداماً أنيقاً ويجلس على حاسوبه ويشكل مجموعات الكترونيةً لمناصرة قضايا الحق والعدل، لكن حبس أنفسنا في الصورة النمطية القديمة يحرمنا من مواكبة العصر وفهم التغيرات فنظل عاكفين على أصنام الصور..

لعل خير ما ندلل به على الدور السلبي الذي تلعبه الصورة النمطية في الحيلولة دون مواكبة العصر وتوقف حركة التجديد الفكري والروحي هو أننا إلى اليوم لا نستطيع أن نتخيل البطولة إلا في صورة فارس يمتطي ظهر الخيل ويتقلد سيفاً..الصورة النمطية هي صنم يشل قدرتنا على التفكير والتجديد..

سمعت امرأةً أيام الغزو الأمريكي لأفغانستان قبل نحو عقد من الزمان تقول: إن مقاتلي طالبان يذكرونها بعصر الصحابة لأنهم يرتدون ثياباً بيضاء ويركبون الخيل!!

الصورة النمطية هي التي كبلت هذه المرأة فلم تعد ترى نموذجاً صحابياً في هذا العصر سوى طالبان مع كل ما يمثلونه من غياب حضاري وانفصال عن الواقع ليس لشيء إلا لأنهم حافظوا على المظهر والصورة حتى وإن غابت الروح والفاعلية بينما يمكن أن يكون من هم أكثر منهم صحابيةً وإن لم يذكر شكلهم ولباسهم وخطابهم المعاصر بأيام الصحابة..

والله أعلم..

--
abu-rtema@hotmail.com

Opinions