Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

موقع برطلة واهل الداخل وابناء الخارج

لازالت تداعيات المقالة ( المثيرة ) التي نشرت قبل اسابيع بعنوان ( السيد سركيس اغاجان ومزرعة تسمين القطط ) تلقي بضلالها على سلوك وتصرف البعض في برطلة الام والاب . وهكذا حسِب هذا البعض المقال والرد الذي تلاه صفحة اولى في معارك وهمية رسمها لنفسه , ووضع خطط جولاتها اللاحقة , فأصبح في صراع مع الزمن يحاول اقتناص اية فرصة بائسة للتحشيد وتوجيه الاتهامات جزافا , بل اصبح ( موقع برطلة ) المسكين هدفا رئيسيا له يتقدم على كل الاهداف الاخرى , وكأن هذا الموقع قد حلً محل ( قناة الجزيرة ) او برنامج ( القُمٍص زكريا ) , يرى ذلك البعض ان اسكاته و قطع عنقه واجب مقدس كونه يرعى الارهاب والمشاغبات و ( قطع الارزاق ) . وعلى هذا المنوال امتدت يد البعض لتحاول باسلوب رخيص تدمير موقع برطلة , كما يستثمر احد الاباء الافاضل زياراته الى رعيته في الحديث عن مشاغبات ( النفر الضال ) من اهل الخارج , بينما يُنعم عليهم الثاني ( بمكرمته السخية ) فيصفهم بالجبناء , وربما ينتظر مرسوم ( تحريمهم ) توقيعه الكريم ! انه لفخر كبير لموقع برطلة ان الكثيرين ملأهم الشعور بفقدان شئ عزيز وغال عليهم خلال تلك الايام التي توقف فيها الموقع عن العمل بفعل عبث العابثين حتى تمكن الاخ العزيز الدكتور يوسف توما بهنام من اعادته الى العمل بعد جهد جهيد.



قبل اكثر من عشرين عاما وقعت عيناي على رواية ( الاخوة كارامازوف ) للكاتب الكبير ( ديستوفسكي ) , وخرجت حينها بدروس قيمة كان اهمها ان الدخول في مواجهات مع رجال الدين هو ضرب من ضروب اللعب بالنار إن لم يكن تقديم النفس على مذبح الانتحار , لكن هنالك حتما من الفراشات من ترى ان الاقتراب من النار موقف وواجب , كان ذلك من خلال تلك القصة الاسطورية التي رواها الكاتب عن تلك المدينة التي كان رجال الدين فيها يجتهدون في تفسير المسيحية ويقدمونها للناس انطلاقا من تلك الاجتهادات , وحدث ذات مرة ان نزل السيد المسيح في تلك المدينة ورأى ما رأى فبدأ يعلم الجموع على طريقته , لم تعرفه الجموع لكن رجال الدين لم يجدوا صعوبة في معرفته وتمييزه من الوهلة الاولى . اجتمعوا فيما بينهم وقرروا تحشيد الجموع لطرد ( الرجل الغريب ) اي المسيح من مدينتهم لانه يمثل خطرا على العقيدة المسيحية ! . إن كان الرب , له المجد , قد اصبح خطرا على المسيحية فكيف لايكون العبد الحقير الذليل للمسيح خائنا للعقيدة والدين ؟ وهو الذي تجاسر فحاول الاقتراب الى الممنوع بنية صادقة تدعو الى ان نكون افضل . ان مشكلة بعض رجال الدين في مجتمعاتنا الشرقية تكمن في انهم لازالوا يعيشون في القرون الوسطى فيعتقد الكاهن انه يملك نسخة الكتاب المقدس الوحيدة في القرية ولايوجد بين المؤمنين مَن غيره يستطيع فكَ الحرف , في الوقت الذي نعيش فيه في القرن الواحد والعشرين حيث تحولت صفة رجل الدين ومن خلال الاداء اليومي للبعض الى مهنة او درجة وظيفية , يتناسى ذلك البعض اننا نعيش في عصر الفضاء والانترنيت , حيث كثيرون ممًن يسمعوا المواعظ يمتلكون درجات متقدمة من العلم والثقافة , لكنها لا تقف عائقا امام الشعور بالتبجيل والتقدير لمرتبة الكهنوت السامية المقدسة وحقوقها. حاشا ان يكون القصد هو التهجم على رجال الدين بقصد احداث البلبلة , بل نرى فيهم جميعا مرأتنا الغالية التي نرى من خلالها قُربنا او بُعدنا عن الطريق الحق ولذلك من حقنا ان نكون حريصين على صفاء هذه المرأة. صحيح ان الكتاب المقدس يدعونا الى سماع الاقوال وغض النظر عن الافعال لكن الحالة المثلى والتي تعطي ثمارا أوفر تتمثل في ان تلتصق وتذوب الاقوال في الافعال , ام علينا التصبر دائما بتلك القصة الشائعة التي تحكي عن الخورية التي حضرت قداس الاحد فسمعت الاب الفاضل يدعو جماعة المؤمنين الى تجسيد مقولة الفادي المخلص ( من له ثوبان فليعط واحد لمن ليس له ) , وبعد انتهاء الصلاة عادت الى البيت فطرق الباب احد الفقراء فاعطت له قطعة من الثياب القديمة , ثم وصل الاب الفاضل الى البيت فروت له ما حدث طمعا بجملة مديح تريح نفسها , فاذا بالاب الفاضل يوبخها على فعلها قائلا ان كرازته كانت للاخرين وليس لها. في الطريق الى السويد بعد مغادرتي الوطن واثناء تواجدي في ( اسطنبول ) اخذني احد الاصدقاء الى احد الاديرة فيها والتقينا باحدى الاخوات الراهبات التي بدأت بالقاء محاضرة عن ( الوطنية ) وخطأ قرار ترك الوطن , واذا بها بعد برهة تبدي لنا عن قلقها على اقربائها الذين تبحث لهم , و يبحثون من جانبهم , عن ( مُهرِب أمين ) ينقلهم من المانيا الى هولندا!



ان اتهام اهل الخارج بالجبن هو حكم قاس من أب تجاه ابنائه الذين لم يختار معظمهم , كما يعرف الاب الفاضل , الغربة إلا كما يختار المريض الكي كدواء اخير, وهو يعلم جيدا ان قصائده في الغربة والحنين الى برطلي تثير فيهم جداولا من الدموع وتشعل في قلوبهم نيرانا من المواجع . وهم إن سكنوا الغربة اللعينة لظرف خارج عن ارادتهم , انما يسكنونها باجسادهم بينما تبقى ارواحهم تسبح هناك حيث كل الذكريات وكل الاهل وكل الاحبة, فجولة واحدة في الشارع الوسطي في برطلة وإلقاء التحية على من فيه والوقوف بجانب مقهى ( العم سعيد او مقهى السلام ) لاتقارن بحلاوة نكهتها بمليون وقفة في حديقة الملك في ( استوكهولم ) . من جهة اخرى , وللحقيقة والتاريخ , فقد اثبت ابناء برطلة في الخارج انهم ابناء بررة لتلك المدينة المشعة بالايمان والاخلاق وبرهنوا انهم اغصان زاهية من شجرة ابائهم المثمرة الطيبة , وهكذا في السويد مثلا حيث تجمعت جالية كبيرة من ابناء برطلي وخاصة من اعمار الشباب , نرى فيهم الشعور العالي بالمسؤولية فيكافحون ويجدٍون في حياتهم , وقد رموا في سلة المهملات كل مغريات الحياة وملاهيها , واضعين نصب اعينهم هدفا ساميا هو ان يكونوا فخرا لاهلهم في برطلة فيجاهدوا لتكوين انفسهم ومساعدة اهلهم وذويهم , ولم تظهر خلال هذه السنوات حالة يمكن ان يقال عنها انها تنحرف قليلا عن هذا الخط العام . شباب نفتخر بهم امام الاخرين تتوزع حياتهم على العمل وحضور قداس الاحد او الندوة الدينية والرياضة والمشاركة في افراح واحزان ابناء بلدتهم وفي نشاطات جمعية ابناء برطلة في السويد. واعتقد ان الحال نفسه ينطبق ايضا على ابناء برطلي في كل دول الاغتراب , بل لا أغالي بان هذا الحكم يمكن تعميمه على الغالبية العظمى من شبابنا الكلداني السرياني الاشوري القادم من مختلف القرى والمدن والاماكن . ليس القصد هنا تشجيع الهجرة بل نرى ان يتعاون ابناء الداخل والخارج لتوضيح اثارها وعواقبها بل يمكن ان يكون اهل الخارج خيرعون في الهدف النبيل الذي يسعى اليه الغيارى في الداخل لاحتواء موجة الهجرة من اجل التشبث والاحتفاظ بتراب الاباء والاجداد ,و لانعتقد ان اتهام المغتربين او من قرر سلوك طريق الغربة بالجبن يمثل حلا سحريا وحاسما يؤدي الى ايقافها ومعالجتها.



بعد وصولي للسويد استدعت احدى ( الوطنيات ) , من رسل التربية والتعليم في برطلة , ابني البكر وكان حينها في الصف الاول الابتدائي , حدث ذلك قبل سقوط النظام بسنتين , وقامت تسأله عن وصفه لذاك الذي تنكر للجميل وعلًمته الدولة ثم هرب من الوطن , لقد وضعت الطفل الصغير في الزاوية الحرجة حتى يتفق معها على وصف أبيه بالخائن , عاد الابن الى البيت فروى لامه ماحدث باحثا بألم عن اجابة اخرى تبرئ ساحة ابيه !. وتدور الايام ولكل زمان شمًاعته التي نعلق عليها الاخرين لنسدد باتجاههم ( مااطاب ولذً ) من الصفات , وهكذا توالت الشمًاعات من ( الخيانة الى الانتساب الى البعث الى الجبن ) والبقية تأتي , لكن الشئ الذي نعرفه جميعا , وفي المقدمة ابائنا الافاضل , ونتفق عليه على الاقل مع انفسنا يتمثل في ان كثيرا من هؤلاء ( الخونة ) و ( البعثيين ) و ( الجبناء ) والخ , في الداخل كانوا ام في الخارج , يرتدون ثيابا اكثر بياضا من اخرين ترى في وجوههم كل الوان قوس قزح , يتقنون بمهارة توقيت حركة إبراز وإخفاء الرؤوس.



ان اهل الخارج هم منكم وفيكم , وهم سندكم وصوتكم في المديات المحرمة , يحملون بل ويعيشون همومكم لانهم جزء منكم , هم بعضكم في الخارج الذي يبكي ويفرح على بعضه الاخر في الداخل , وكل تمنياتنا ان تبقى برطلي خيمتنا العزيزة التي نفتخر في ان يكون كهنتها اعمدتها والغيورون فيها ( اينما كانوا ) يتسابقون ليكون كل منهم وتدا لها , لكن ذلك لايمنع بالتاكيد العتاب بين الاهل و الاخوة والاحبة الذين تجمعهم هذه الخيمة .

جبناء كُنا أم شجعان , خونة أم اوفياء, مخطئين ضاليين أم مصيبين, في كل الاحوال والازمان تبقى اليد ممدودة اليكم وقلوبنا مُلوعة بحبكم , نفوسنا تطمع دائما ببركاتكم , نؤمن ونُقر ونعترف انكم الاصل والاهل والاشجع والاوفى , كونكم تقفون في الحجابات بوجه العاصفة واياديكم في النار.



لاننا شعب واحد ايا كانت تسمياتنا ولان قرانا ومدننا هي اغصان لشجرة واحدة, فان ماتقدم , ونقصد موضوعة العلاقة بين الداخل والخارج , ربما لايخص برطلة لوحدها بل مدننا وقرانا جميعا , بعد ان بدأت تلوح في الافق اثار الفجوة بين الاهل وابنائهم في المغتربات, اذا كنتُ اتفق تماما مع ما ذهب اليه الاستاذ الفاضل جميل روفائيل , في مقاله الاخير ردا على مقال سابق لي , بالاشارة الى بعض الظواهر السلبية في اداء البعض من اهل الخارج مِمًن تركوا انطباعا لدى اهلنا في الداخل بانهم يتعاملون , ربما بنية صادقة او لمصالح سياسية او شخصية ضيقة , وكانهم اوصياء عليهم , يتدخلون تفصيليا في شؤون حياتهم في المأكل والملبس والمسكن مما سبًب نفورا من بعض اهلنا في الداخل الذين يعتقدون انهم اصحاب الحق طالما انهم صامدون في الارض في تقرير مصيرهم واختيار نموذج حياتهم وعلى ابنائهم في الغربة مساعدتهم ومساندتهم بما يملكون من امكانيات متاحة , لكن في الجانب الاخر تجدر الاشارة ايضا ان نفرا من اهلنا في الداخل قد وجد في هذه الفجوة والحساسية التي ظهرت في السلوك السابق كرة يمكن استعمالها بدهاء لضرب اي جهد او صوت ينطلق من الخارج ليمررهذا النفر وعلى اساس ( مكة ادرى بشعابها ) كل صققاته واهدافه المشبوهة . ان كل الاقلام والجهود الحرة والشموع النبيلة التي قررت ان تهب نفسها بنية صافية خالصة لقضايا شعبها ,و اينما كانت في الداخل او في الخارج , مطالبة بالعمل لردم هذه الفجوة ووفضح كل اصحاب النوايا والمصالح السياسية والشخصية الضيقة , اينما كانوا ايضا , من اجل ان تتداخل موجة جهد اهل الخارج مع جهد اهل الداخل فنقدم شعبنا للاخرين بثقله الحقيقي غير منقوص , ذلك الثقل الذي يظهر فيه اهلنا في الداخل مليئين بالفخر والثقة لان خلف ظهرهم ابنائهم الاوفياء في الخارج الذين قرروا ان يكونوا معهم من البداية وحتى المنتهى.

wadeebatti@hotmail.com Opinions