Skip to main content
Facebook Twitter YouTube Telegram

... وقتل العيساوي كما حذرنا!

 

 

16 كانون الثاني 2013

  

في آخر ايام العام الذي انصرم تواً، ومن تحليل للوضع المتوتر الحالي في العراق كتبت محذراً من احتمال قتل "مسؤول فعال في الأزمة"، بل وضعت تحذيري في عنوان المقالة لعله يلفت النظر! وقد أشرت إلى (رافع) العيساوي أو العلواني كهدفين محتملين أكثر من غيرهما، داعياً إلى تكثيف الحماية واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع "بناء الريبة" مستقبلاً، فجاء في مقالتي "المؤامرة والإعلام 1- بناء الريبة- ماذا لو قتل مسؤول الآن؟" (1)

"أن المطلوب من الحكومة ليس فقط أن تحل هذه المشكلة وإنما أن لا تسمح لها أن تصل إلى ما وصلت إليه. أن لا تسمح ببناء الريبة بينها وبين أي جزء من شعبها، لأن الريبة تهيء الجو لكل الأخطار وقد تخرج عن سيطرة الحكومة مهما حاولت. فلنتخيل أن مسؤولاً قد قتل اليوم، سواء كان العيساوي أو العلواني أو أحد أعضاء دولة القانون، وخاصة إن كان من الفعالين في هذه الأزمة، فهل سيمكن إقناع الناس من جانب الضحية بأن المقابل بريء من دمه، مهما قدمنا من براهين؟
إن اية حادثة إرهابية أو عفوية ستشعل ناراً قد تأتي على العراق! والحقيقة أن مثل هذا الجو قد لا ينتظر حادثة عفوية، فهو يغري من يريد إثارة الفتنة بتنفيذ تلك "الحادثة"، وسيتكفل الهياج بالصاق التهمة على الطرف المقابل ويشتعل الحريق! لذلك ادعو بشكل جاد لتكثيف الحماية على المعنيين هذه الأيام كإجراء إضافي."

 

وهاهو "الفاس يقع في الراس" اليوم وبعد اسبوعين من ذلك التحذير، ويقتل بالفعل "أحد الفعالين في الأزمة"، قيادي الصحوة السابق، النائب عن الأنبار عيفان العيساوي. وقبل 48 ساعة من تلك الجريمة تعرض رافع العيساوي ايضاً لمحاولة اغتيال في قضاء ابو غريب لكنه نجا منها! وفي الموصل قتل مسلحين مجهولين يستقلون سيارة مدنية رئيس كيان أعيان الرماح، شيخ عشيرة الجبور في نينوى محمد طاهر العبد ربه. وتقول المدى أن الجبوري من الداعمين البارزين لتظاهرات نينوى.

 

إنها مأساة ونخشى أن تكون بداية لإشعال ما هو أكبر بكثير، لكن ردود الفعل الأولية حتى الآن أفضل من ما توقعناه، بأن "يتكفل الهياج بالصاق التهمة على الطرف المقابل ويشتعل الحريق!"، فلم يتهم ذوو العيساوي وأقاربه، "الشيعة" أو الحكومة باغتياله، لكن العديد القى اللائمة على "القاعدة" مضيفاً إليها عادة عبارة "التي ترتبط بإيران"، رغم أن شواهد علاقة أميركا بالقاعدة عديدة، وعدم وجود أية شواهد على ارتباطها بإيران!

 

القضية ماتزال ساخنة، والعديد من الجهات والصحف تحاول إيصال رسالة طائفية، وجعل الموضوع جزء من "المعركة" بين المتظاهرين والحكومة، وكل تطور مازال غير مستبعداً.

 

لنلاحظ تغطية وسائل الإعلام للخبر، وفي اي اتجاه تحاول دفعه. لاحظوا مثلاً مكان مقتل النائب عيفان، فهو حسبما وصفه به مدير مكتبه صهيب حقي :"فجر انتحاري يرتدي حزاما ناسفا نفسه على النائب عيفان العيساوي عندما كان يتفقد الطريق الحولي بين الفلوجة والعامرية (جنوب المدينة)". (2) وهو أيضاً ما أكده نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار سعدون الشعلان الذي قال: "الانتحاري كان متنكرا بملابس عامل بناء واستهدف العيساوي خلال تفقده مشروعا خدميا بالفلوجة"،(3) في حين نرى ان بعض الصحف حاولت على ما يبدو تغيير الخبر بعض الشيء لتأكيد تصوير الحادثة في ذهن الجمهور على أنها هجوم على المتظاهرين.

 

فتكتب المدى تحت عنوان "الأنبار تتهم القاعدة بتفجير ساحة الاعتصام وتعلن الحداد ثلاثة أيام"

إتهم مجلس محافظة الأنبار، اليوم الثلاثاء، تنظيم القاعدة بالوقوف وراء التفجير الانتحاري الذي وقع بالقرب من ساحة الاعتصام وسط الفلوجة، ...وقال رئيس مجلس محافظة الأنبار جاسم الحلبوسي في حديث إلى (المدى برس)، "نستنكر التفجير الانتحاري الذي استهدف النائب عيفان السعدون في ساحة الاعتصام"، ....وأضاف الحلبوسي أن "القوات الامنية فتحت تحقيقا للتوصل إلى الجهات التي سهلت دخول الانتحاري الى ساحة الاعتصام".

وكان مصدر في شرطة محافظة الانبار قال في حديث إلى (المدى برس)، في وقت سابق من اليوم، إن انتحاريا يرتدي حزاما ناسفا فجر نفسه قرب ساحة الاعتصام، وسط مدينة الفلوجة....

لنلاحظ أولاً الفرق بين العنوان الذي يتحدث عن "تفجير ساحة الإعتصام"!! و محتوى الخبر عن تفجير "بالقرب من ساحة الإعتصام" وسط الفلوجة، وتأكيد الحلبوسي أنه "في ساحة الإعتصام" بحيث فتح تحقيقاً في كيفية دخول الإنتحاري إلى الساحة!! 

وكلام المدى (والحلبوسي، إن كان قد نقل كلامه بصدق) وليس في ساحة الإعتصام وسط الفلوجة. فكيف يتناقض نقل رئيس مجلس محافظة الأنبار مع نائبه الذي قال أن مقتل النائب عيفان جرى على الطريق الحولي جنوب الفلوجة؟

 

وتعود المدى في خبر بعنوان"معتصمو الأنبار: إطلاق سراح مئة معتقل لا يعني استجابة الحكومة لمطالبنا بنحو جذري"(4) لتقول أنه قتل "أثناء زيارته ساحة الاعتصام في الفلوجة واحتضنه ثم قام بتفجير نفسه."، وأن ذلك أدى إلى "مصرعه مع ثلاثة من أفراد حمايته واثنين من معتصمي الانبار، وجرح خمسة آخرون".
وفي خبر آخر تحت عنوان "
صلاح الدين تتهم الخارج باغتيال العيساوي والجبوري لإفراغ العراق والتشويش على المتظاهرين" قالت "المدى" هذه المرة أن النائب قتل "اثناء توجهه إلى ساحة الاعتصام"!

وفي الخبر حاول رئيس مجلس شيوخ عشائر صلاح الدين، الشيخ خميس جبارة، تاكيد صورة الإعتداء على المتظاهرين بطريقة أخرى، فقال أن "مقتل الجبوري والعيساوي يعطي انطباعاً عن سعي الفاعلين لإعطاء الحكومة مسوغات جديدة كي لا تلبي مطالب المتظاهرين والمعتصمين بإلغاء قانون مكافحة الإرهاب"، مستدركا "لكننا لن نتراجع عن هذا المطلب".

وكذلك فعل نائب رئيس مجلس محافظة صلاح الدين سبهان ملا جياد، حين قال أن "التوقيت الذي نفذت به الجريمتان يعد ضربة لمطالب المتظاهرين"، مؤكداً خسارة العراق شخصيات كبيرة ، "تقف ورائها القاعدة المرتبطة بإيران، لضرب مطالب المتظاهرين وعوائل المعتقلين"، مبدياً "تخوفه من اتساع رقعة الاستهداف والتصفيات خلال الأيام المقبلة".

 

المبعوث الخاص للأمين العام للامم المتحدة في العراق مارتن كوبلر تحدث بحذر، وهو ما يفعلونه دائماً في البداية، مثلما كان الأمر مع بداية المذابح السورية، وكرر مطالبته للمتظاهرين "بالقيام بتظاهرات سلمية"، مطالبا الحكومة بـ "مراعاة حماية المتظاهرين من تسلل الإرهابيين"، حسب نقل المدى لنص كلامه.(5)

 

لكن المدى تنقل كلامه مختلفاً بعض الشيء عندما لا تضع علامات اقتباس النص، فتقول في الخبر الذي أشرنا إليه أعلاه ("معتصمو الأنبار: إطلاق سراح مئة معتقل لا يعني استجابة الحكومة لمطالبنا بنحو جذري") أن الأمم المتحدة "دعت الحكومة على عدم التعامل بقوة من التظاهرات مؤكدة حق المواطنين في التعبير عن مطالبهم وحقوقهم بطريقة سلمية."، وفي الجملة معنى ضمني أن الأمم المتحدة تخشى التعامل بقوة مع المتظاهرين وكبت حقهم في التظاهر السلمي، في الوقت الذي كانت الدعوة فيه فقط إلى حمايتهم ودعوة المتظاهرين إلى الإلتزام بالتظاهر السلمي!

وتؤكد وكالة "اور" في خبر بعنوان "بعد 13 محاولة.. انتحاري بملابس عمال النظافة يقتل النائب عيفان العيفان"(6) عن "مصدر" (مجهول) في شرطة الانبار، أن التفجير تم "اثناء ترجل النائب العيساوي من سيارته قرب ساحة الاعتصام وسط الفلوجة". وتؤكد موضوع علاقة التفجير بالمعتصمين بالقول "ان عددا من المعتصمين انسحب من ساحة الاعتصام في منطقة البو فراج على الطريق الدولي السريع، خوفاً من تفجيرات او هجمات مماثلة، لكنهم عادوا ثانية الى موقع الاعتصام."

وفي خبر آخربعنوان: "مقتل النائب عيفان سعدون العيفان بتفجير انتحاري"(7) تقول وكالة (اور) ان النائب قتل "خلال ترجله من سيارته "للالتحاق" بمعتصمي الانبار"!  

 

أما وكالة الأناضول للأنباء، فتعلن الخبر عن "اغتيال نائب "سني"(!) و4 من مرافقيه بالفلوجة"!!(8) مشيرة إلى أن من قتل معه كانوا من أفراد حمايته، ولم يأت ذكر أي قتيل من المعتصمين، ولاحظوا التركيز على أنه "سني"! ماهي فرصة الشعب التركي أن يفهم أن القضية ربما لا تكون بالشكل الذي توحي به صحافته؟ وما هو موقف الإيراني حين تنقل له صحفه أن العراقيين يتهمون بلاده بكل شيء يحدث فيها، وبلا دليل على الإطلاق؟ هل من عجب بعد ذلك أن يكون التركي حاقداً على الشيعة والإيراني حاقداً على السنة؟ ربما نفهم من هذا لماذا وكيف يجعلونا نتخذ مواقف متناقضة من نفس القضية، نحن أبناء البلد الواحد!

 

لندع الأتراك والإيرانيين الآن، ولنعد إلى صحفنا وسياسيينا ونسأل: هل قتل النائب كما يقول رئيس مجلس محافظة الأنبار جاسم الحلبوسي " في ساحة الاعتصام"، وفتحت القوات الامنية تحقيقا بالأمر، أم "بالقرب منها وسط الفلوجة" فتكون قصة التحقيق ملفقة ايضاً، أم كان على الطريق الحولي جنوب الفلوجة وأنه لا علاقة مكانية إطلاقاً بين التفجير وساحة الإعتصام، وهل كان ذلك أثناء توجهه للإلتحاق بالإعتصام، أم أثناء تفقده لمشروع خدمي؟ وهل قتل عدد من المعتصمين أم أفراد حمايته؟

 

هل ينقل السياسيون والمدى ووكالة أور الحقيقة أم يسعون إلى رفع "دراميتها" وربطها في ذهن الجمهور بالإعتداء على المتظاهرين، وحشر إيران "التي تدعم القاعدة" في الموضوع، كما فعل فراس الغضبان الحمداني حين أكد أن الإرهابيين ذبحوا قساوسة كنيسة سيدة النجاة بالسيوف، لتأكيد الشكل الإسلامي للعملية الإرهابية لسبب لا يعلمه إلا الله والراسخون في الإرهاب، ولسوء حظه كشف الناجون أنه لم يكن هناك أي سيف في الموضوع، وكتبنا عنه مراراً؟

 

مثل قصة الحمداني، سيتبين الصدق من الكذب قريباً، لكن الكذب قد يكون قد أدى دوره في التهييج من خلال تصوير القضية بأنها اعتداء على المتظاهرين والتلميح بطرف خفي إلى الشيعة من خلال اتهامات بلا دليل على دعم إيران للعملية، إستمراراً للإستثارة وتأجيج المشاعر الطائفية بين السنة والشيعة وتكرار سيناريو ليبيا وسوريا المأساويين!

 

يكتب محمد عبد الجبار الشبوط في مقال بعنوان "حرب الإغتيالات"(9)

"أدعو الله الا يكون اغتيال النائب عيفان العيساوي حلقة اولى في حرب اغتيالات قذرة قد تخطط لها وتنفذها القاعدة امعانا في استغلال الوضع السياسي المتردي في العراق، واطلاق شرارة حرب اهلية طائفية جديدة تحقق ما لم تحققه لها حربها الاولى في العام 2006. لكن المتوقع ان تتصاعد حرب الاغتيالات في الايام المقبلة، وسوف تشمل شخصيات من الوسط الشيعي واخرى من الوسط السني. ولن تكون هذه الحرب متبادلة. لن تكون اغتيالا واغتيالا مضادا. على قاعدة شيعي مقابل سني، او سني مقابل شيعي. لن يفعل السنة والشيعة ذلك بانفسهم. انما ستكون اغتيالات تقوم بها جهة واحدة على جبهتين على الاقل، جبهة سنية واخرى شيعية، بغرض اثارة الشيعة ضد السنة، والسنة ضد الشيعة. "

 

وأقول مع الشبوط، لقد كانت دائماً جهة واحدة، تقتل "على الهوية"، دون أن تهتم بالهوية حقاً، إلا لكي تصور الأمر كما تشاء أن تصوره. إننا ندعو من جديد إلى أحتياطات إضافية لحماية الشخصيات التي صارت مرتبطة في أذهان الناس بالإنتفاضة، والإتصال بها وتحذيرها وأن يعرض عليها الحماية إن لم تكن تمتلكها بشكل كاف. وأدعوا أيضاً إلى كشف الحقائق التفصيلية الدقيقة ومحاسبة الصحف والمسؤولين على اختلاق الرتوش الكاذبة في تصريحاتهم وصيغة أخبارهم، والتي تحاول خلق صورة مزيفة لدى المواطن، ومطالبتهم بتقديم سبب لذلك، وعدم ترك الأمر كما فعلت مع فراس الغضبان. وإن لم تستطع الحكومة المحاسبة في هذا الظرف، فعلى الأقل أن تقوم بالفضح بقدر ما تستطيع، فالمعركة ليست سهلة، ومن يخططها ليسوا الصبيان الذين يسيرون باستعراضات مضحكة في ساحات الإعتصام هاتفين بكلام سخيف، أو الذين لا يعرفون كيف هو شكل علم كردستان، فما هؤلاء إلا الكباش الغافلة التي سيتم تقديمها قرابين الخطط الدموية لما يراد للعراق. إنتبهوا واحسبوا، فمصير العراق وشعبه كله قد يعتمد على هذه المعركة!

 

 (1) http://www.qanon302.net/news/news.php?action=view&id=23692

(2) http://www.sabr.cc/inner.aspx?id=51151

(3) http://www.alsumarianews.com/ar/iraq-security-news/-2-54637.html 

(4) http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=84919

(5) http://www.faceiraq.com/inews.php?id=1312897

(6) http://www.uragency.net/index.php/2012-03-11-16-31-52/2012-03-11-16-33-35/15474-00000

(7) http://uragency.net/index.php/2012-03-11-16-31-52/2012-03-11-16-33-45/15472-2013-01-15-11-53-55

(8)   http://www.aa.com.tr/ar/arap-world/122004 

(9) http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=24264

   

   

Opinions